أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

العراق في مفترق طرق: بين استعادة السيادة وتفكيك “اقتصاد النهب”

د. سامي خاطر آكاديمي و أستاذ جامعي

تجاوزت الأحداث الجارية في بغداد حدود العمليات القضائية والأمنية التقليدية ضد قضايا الفساد المالي؛ إذ كشفت التحقيقات الأخيرة عن خيوط شبكة متغلغلة تجمع بين مسؤولين رفيعي المستوى، ونواب، وكيانات اقتصادية مرتبطة بملفات النفط والمال العام. إن طبيعة هذه الملفات تشير بوضوح إلى أن الفساد في العراق لم يعد مجرد “انحراف إداري”، بل تحول إلى بنية سياسية معقدة، تماهت فيها آليات المحاصصة الحزبية مع هيمنة السلاح، لتشكل ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد النهب” الذي استنزف موارد الدولة، وأثقل كاهل الشعب بأزمات الخدمات والبطالة.

إن تفكيك مشهد الفساد في العراق يتطلب إدراك حقيقة أن هذه الظاهرة لم تكن عفوية، بل كانت جزءاً من هندسة سياسية أدت إلى تفريغ الدولة من مضمونها المؤسساتي. وفقاً لتقارير ميدانية وتحليلات لمراكز رصد دولية، تحولت عائدات النفط من رافعة للتنمية الوطنية إلى أداة لإدامة النفوذ لطبقات سياسية وشبكات مسلحة. إن هذا “الفساد الهيكلي” يمثل تهديداً وجودياً لسيادة العراق؛ إذ لم يعد السؤال المحوري مقتصرًا على تحديد هوية المتورطين في السرقة، بل يتجاوزه إلى التساؤل عن “الغطاء السياسي” و”الحماية السلاحية” التي جعلت هذه الأنشطة غير المشروعة ممكنة ومحمية من المساءلة القانونية.

لا يمكن عزل تفكيك هذه الشبكات عن الدور الاستراتيجي الذي مارسته طهران عبر الحرس الثوري وفيلق القدس منذ عام 2003. فقد عملت السياسات الإيرانية على ربط مفاصل حيوية في الدولة العراقية بشبكات مصالح إقليمية، مما أدى إلى إضعاف القرار الوطني لصالح التبعية للخارج. لقد كشفت التقارير الدولية أن النظام الإيراني لم يكتفِ بالتأثير السياسي، بل أسس منظومات اقتصادية موازية تعتمد على التهريب وغسل الأموال، مما جعل بعض قطاعات الدولة تعمل كأدوات في شبكة نفوذ إقليمية واسعة. إن التنديد بممارسات “نظام الملالي” هنا يأتي من منطلق المسؤولية السيادية، حيث أدى هذا النهج إلى تحويل العراق من دولة ذات قرار مستقل إلى ساحة لتمرير الأجندات التي تتعارض مع المصلحة الوطنية العراقية.

تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى بغداد في توقيت يضع العراق أمام اختبار حقيقي لإرادته السياسية. ففي الوقت الذي يسعى فيه الشارع العراقي لاستعادة السيادة ومحاسبة الفاسدين، تحاول طهران الحفاظ على قبضتها على الملفات الحساسة التي تضمن استمرار نفوذها. وتبرز هنا إشكالية “الطقوس الرمزية” التي تحاول بعض الأطراف فرضها، مثل الحديث عن تكريم شخصيات ارتبطت تاريخياً بمشاريع أضرت بالاستقرار العراقي. إن السماح بتحويل المدن المقدسة إلى منصات لتبييض تاريخ مشاريع الهيمنة الخارجية يعد تقويضاً للسيادة الوطنية وخرقاً للثوابت الأخلاقية والسياسية. إن احترام الجوار لا يعني بأي حال من الأحوال شرعنة التدخل في الشأن العراقي أو تحويل الأرض العراقية إلى ساحة لتكريس نفوذ خارجي أثبتت التجارب أنه كان “المحرك الأساسي” لكل أزمات البلاد.
إن حملة الاعتقالات الحالية، مهما بلغت دقتها، ستظل ناقصة إذا لم تصل إلى جذور “مرض المحاصصة” وشبكات السلاح خارج إطار الدولة. إن جوهر المعركة اليوم ليس في استبدال الوجوه داخل منظومة الحكم، بل في تفكيك البيئة التي جعلت الفساد سلطة. يتطلب هذا المسار:
استقلال القضاء: ضمان عمله بعيداً عن ضغوط الأحزاب والفصائل.
حصر السلاح: إنهاء المظاهر المسلحة التي توفر الحماية لشبكات التهريب.
الشفافية المطلقة: في إدارة الموارد النفطية واسترداد الأموال المنهوبة.
في الختام، إن معركة العراق الحقيقية هي استعادة الدولة من “خاطفيها” الذين حولوا مؤسساتها إلى أوعية لمصالحهم الضيقة ولأجندات إقليمية. إذا كان هناك من “جنازة سياسية” تليق بالمرحلة الراهنة في العراق، فهي جنازة لمشروع الهيمنة، والارتهان للخارج، والفساد الممنهج، لتفتح الطريق أمام دولة مدنية تقوم على السيادة، والقانون، والمواطنة العادلة.

التعليقات مغلقة.