يكشف المشهد الإعلامي الوطني، كما برز جليًا خلال تغطية “العرس الكروي” لكأس إفريقيا، عن أزمة عميقة تتجاوز حدثًا رياضيًا عابرًا، لتلامس جوهر الممارسة المهنية داخل بعض الجمعيات التي تُسمّي نفسها مدافعة عن الإعلام والصحافيين، بينما تُكرّس، في الواقع، منطق الإقصاء والانتقائية والمصالح الضيقة.
وتبيّن من خلال هذه التغطية أن خطاب الدفاع عن الصحافة لا ينسجم مع الممارسة الفعلية، حيث سُجّل احتفاء مفرط بمقاولات إعلامية بعينها، بعضها لا يتوفر حتى على الحد الأدنى من التجربة المهنية، مقابل تهميش إعلام مستقل راكم سنوات من العمل الجاد، دون سند إشهاري أو دعم مؤسساتي يُمكّنه من الاستمرار.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا مشروعًا: هل ما تزال هذه الجمعيات مؤهلة أخلاقيًا ومهنيًا للحديث باسم الصحافيين؟ أم أن دورها انحرف نحو البحث عن الصفقات، بعدما باتت اللعبة مكشوفة لدى الفاعلين السياسيين، والمهنيين، بل وحتى داخل المنظومة القضائية التي تراقب تحولات المشهد بقلق مشروع؟
إن ما يحدث اليوم داخل الساحة الإعلامية لا يمكن فصله عن ضرب ممنهج لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وتكافؤ الفرص، حين يُمنح الدعم والإشهار على أساس الولاءات لا الاستحقاق، وتُقصى المقاولات الجادة، فقط لأنها اختارت الاستقلالية بدل الاصطفاف.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تتحول الإشهارات العمومية إلى “فُتات” يُوزّع دون معايير شفافة، في غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يُفرغ التنظيم الذاتي من مضمونه، ويُحوّله إلى أداة انتقائية تخدم فئة محدودة على حساب المهنة ككل.
وفي مقابل هذا العبث، تُسجَّل مواقف نقابية مهنية مشرفة، حيث أبانت النقابة الوطنية عن جرأة واضحة في الدفاع عن الصحافيين وعن مشروع إعلامي مستقل، غير خاضع للابتزاز أو التوجيه، مشروع يستلهم الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الداعية إلى إعلام حر، مسؤول، يخدم الوطن والمواطنين، ويضطلع بدوره في فضح الفساد وحماية الصالح العام.
كما يظل الاحتكام إلى القضاء، وفي مقدمته المحكمة الدستورية، مسارًا مشروعًا لإنصاف كل المطالب الجادة والمؤطرة بالقانون، في معركة لا تتعلق بأشخاص أو تنظيمات، بل بمستقبل الإعلام الوطني ومصداقيته.
وخلاصة القول، إن تحية نضالية صادقة تُوجَّه إلى كل صحفي مستقل، وإلى كل جمعية أو نقابة أو فيدرالية تُدافع عن الإعلام دفاعًا حقيقيًا، لا من باب الريع أو المصالح الذاتية، بل انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الإعلام الحر ليس امتيازًا، بل ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.

التعليقات مغلقة.