ذهب المغرب يشتعل
بقلم: الأستاذ محمد عيدني
يشهد سوق الذهب في المغرب موجة ارتفاع غير مسبوقة، أثارت قلق المواطنين ودقت ناقوس الخطر لدى المتتبعين للشأن الاقتصادي. فأسعار المعدن النفيس التي طالما ارتبطت بالادخار والزينة واعتُبرت ملاذاً آمناً للأسر المغربية، أصبحت اليوم عبئاً يثقل القدرة الشرائية لشرائح واسعة، ويحوّل اقتناء الحلي إلى رفاهية عصيّة على الكثيرين.
هذا الارتفاع الصاروخي في الأسعار لا ينعزل عن السياق الدولي المضطرب، حيث تتأثر أسواق الذهب العالمية بالتوترات الجيوسياسية، وتقلبات العملات، وسياسات الفائدة في الدول الكبرى، مما يدفع المستثمرين حول العالم إلى الاحتماء بالذهب كقيمة ثابتة أمام العواصف المالية. وكل تغير في البورصات الخارجية يجد طريقه سريعاً إلى المحلات المحلية، لكنه غالباً ما يصل محمّلاً بتكاليف إضافية تجعل الفارق كبيراً بين السعر العالمي وما يُباع للمواطن المغربي.
ولم يعد المواطن يقف أمام واجهات محلات الصياغة بمنطق الرغبة في الشراء فحسب، بل أصبح يقف متسائلاً بحيرة وامتعاض: كيف تحوّل الذهب من إرث عائلي واستثمار آمن في المناسبات الكبرى إلى حلم بعيد المنال؟ كثيرون باتوا يؤجلون شراء الحلي الخاصة بالخطوبة والزواج، وبعضهم اتجه إلى بيع ما يملك لتوفير احتياجات أكثر إلحاحاً، ما ينذر بتغير عميق في السلوك الاجتماعي والثقافي الذي ظل الذهب جزءاً منه لعقود طويلة.
أما الحرفيون، الذين يعتمدون في رزقهم على حركة البيع والشراء، فهم أيضاً يدقون ناقوس الخطر. الركود بدأ يزحف إلى الورش، والمصانع الصغيرة تتوجس من مستقبل غير واضح المعالم. فكل ارتفاع جديد في الأسعار يعني زبائن أقل، ومخاوف أكبر من تراجع الطلب إلى مستويات غير مسبوقة، مما قد يهدد استقرار آلاف الأسر التي تعيش من وراء هذا القطاع الحيوي.
ورغم أن البعض يرى في الذهب استثماراً ضرورياً في ظل تراجع الثقة في بعض القنوات المالية، فإن الواقع يشير إلى أن السوق المغربية تحتاج اليوم إلى ضبط أكثر، ومراقبة أشد لمستويات المضاربة وسلاسل التوريد، حتى لا تتحول الحاجة لحماية المدخرات إلى مصدر معاناة إضافي لصغار المشترين.
إن حماية المواطن من هذا الارتفاع المتسارع تتطلب شفافية أكبر في ضبط الأسعار، وتدخلاً واضحاً لضمان توازن السوق. فالمغاربة لطالما اعتبروا الذهب رمزاً للأمان والتقاليد والمستقبل. واليوم، تبدو هذه الرمزية مهددة إن لم تُتخذ إجراءات توقف هذا النزيف قبل أن يبتلع القدرة الشرائية للمواطن ويخنق قطاعاً كاملاً من الحرف اليدوية.
الذهب سيظل ملك المعادن، لكن من غير المقبول أن يدفع المواطن ثمن هذا اللقب مضاعفاً. فبين بريق الذهب ولمعان الأسعار، يبقى صوت المستهلك هو الأحق بأن يُسمع، حتى لا يتحول هذا المعدن النفيس من نعمة إلى نقمة، ومن زينة إلى عبء ثقيل يطل على الأسر المغربية كلما اقتربت مناسبات الفرح.

التعليقات مغلقة.