أصوات من الرباط
أثار إجراء طبي غير مبرر لسيدة مسنة في أحد دواوير منطقة تالوين، على خلفية زيارة قافلة طبية خاصة، موجة جدل واسعة داخل الأوساط الصحية والمجتمع المدني حول مدى احترام القوافل الصحية للضوابط القانونية والطبية، وحماية المستفيدين من التغطية الصحية الأساسية من الاستغلال أو سوء التقدير الطبي.
فقد كشف الطبيب أخصائي القلب والشرايين، أمين المجهد، عبر تدوينة تحذيرية على مواقع التواصل الاجتماعي، تفاصيل الواقعة التي تعود لسيدة ريفية تم استدعاؤها عبر قافلة طبية لزيارة مدينة تارودانت لإجراء فحوصات معمقة، شملت قسطرة شرايين القلب (Coronarographie)، رغم غياب أعراض أو مؤشرات طبية تستدعي هذا الإجراء الدقيق والمعقد.
وأوضح الطبيب المجهد أن قسطرة القلب تُستخدم عادة بعد ظهور علامات واضحة على انسداد الشرايين التاجية بناءً على نتائج الفحوصات التمهيدية كالتخطيط الكهربائي للقلب، تحاليل الدم، الفحص بالصدى، أو اختبار الجهد، لكن نتيجة فحص السيدة كانت طبيعية بالكامل، ما أثار تساؤلات حول مدى مبرر هذا التدخل الجراحي.
وتعتبر هذه الحالة مثالاً واضحاً على ظاهرة “الفحوصات غير المبررة طبياً” (Actes non justifiés) التي باتت تشكل عبئًا على صناديق التغطية الصحية وتؤثر سلباً على ثقة المواطنين في المبادرات الصحية، بحسب آراء خبراء وأطباء. وأكد الدكتور المجهد على ضرورة تشديد الرقابة على المصحات الخاصة والقوافل الطبية التي تستفيد من نظام التأمين الإجباري الأساسي (AMO)، محذرًا من استغلال ضعف معرفة الساكنة الريفية وإيهامهم بالحاجة لفحوصات مكلفة وغير ضرورية، ما يهدد حقوقهم الصحية والمالية.
من جهة أخرى، يرى بعض المهنيين في القطاع الصحي أن القوافل الطبية الخاصة تلعب دورًا هامًا في تقريب الخدمات الصحية للمناطق النائية التي تعاني من نقص كبير في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية. إلا أنهم يشددون على أن هذه المبادرات يجب أن تندرج ضمن إطار تنظيمي وقانوني صارم يضمن توازنًا بين تقديم الخدمة وحماية حقوق المستفيدين.
وأكد مختصون في السياسات الصحية على ضرورة اعتماد آليات واضحة للترخيص والمراقبة والمحاسبة لهذه القوافل، إلى جانب تعزيز توعية المواطنين بحقوقهم الصحية، حتى لا تتحول جهود القرب الطبية إلى ممارسات تضر بالصحة العامة وتستنزف الموارد المالية للصناديق الاجتماعية.
وفي ظل هذه الواقعة، طالبت عدة أصوات من داخل الوسط الطبي وزارة الصحة والوكالة الوطنية للتأمين الصحي بفتح تحقيق معمق في ملابسات هذه العمليات، والتحقق من مدى الالتزام بالإجراءات القانونية المتعلقة بالموافقة المسبقة على الفحوصات الطبية المكلفة.
كما دعت إلى وضع ضوابط دقيقة وشاملة لأنشطة القوافل الطبية الخاصة، لضمان عدم استغلال نظام التغطية الصحية الوطنية لأغراض تجارية أو بحثية على حساب صحة وحقوق المرضى.
بين مبادرات القرب الطبية التي تحمل نبل النوايا، وممارسات فردية تثير القلق، تتضح الحاجة الملحة إلى رقابة مستمرة وتطبيق صارم للقوانين، لضمان بقاء الخدمات الصحية المقدمة في إطار التغطية الاجتماعية في خدمة المواطن، ولحماية ثقة المجتمع في مؤسساته الصحية.

التعليقات مغلقة.