في الوقت الذي تشهد فيه التكنولوجيا تطورًا متسارعًا يتيح قياس أدق تفاصيل الحياة اليومية، من سرعة الدراجات إلى عدد الخطوات ونبضات القلب واستهلاك الطاقة، يبرز تساؤل جوهري حول مدى توفر الآليات نفسها لقياس أداء القطاعات العمومية التي ترتبط بشكل مباشر بحقوق المواطنين وجودة حياتهم.
فإذا كانت الأجهزة الذكية تمنح الرياضي بيانات دقيقة تساعده على تقييم أدائه وتحسين نتائجه، فإن المواطن يتطلع إلى مؤشرات مماثلة تقيس جودة الخدمات الصحية، ومستوى التعليم، وظروف السكن، وفرص التشغيل، باعتبارها ركائز أساسية لأي تنمية حقيقية.
وفي قطاع الصحة، لا يكفي الحديث عن توسيع العرض الصحي أو إطلاق برامج جديدة، بل تبرز الحاجة إلى مؤشرات واضحة تقيس جودة الخدمات، ومدى توفر الأطر الطبية والأدوية، وسرعة التكفل بالمرضى، وتقليص آجال المواعيد العلاجية، بما يضمن الحق في العلاج ويعزز ثقة المواطنين في المنظومة الصحية.
أما التعليم العمومي، فإن نجاح الإصلاحات لا يقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات المعلنة، وإنما بمدى تحسن مستوى التعلمات، وتطوير البنيات التحتية، وتحسين ظروف اشتغال الأطر التربوية، والحد من الهدر المدرسي، بما يرسخ مدرسة عمومية قادرة على إعداد أجيال مؤهلة لمتطلبات المستقبل.
وفي ما يتعلق بالسكن، يظل توفير سكن لائق أحد المؤشرات الأساسية للتنمية الاجتماعية، حيث يقاس النجاح بقدرة الأسر على الولوج إلى مساكن تستجيب لمعايير السلامة والكرامة، وتتوفر فيها الخدمات الأساسية، مع مواصلة الحد من مظاهر السكن غير اللائق والهشاشة.
كما يشكل التشغيل معيارًا حاسمًا لتقييم السياسات العمومية، إذ لا يرتبط النجاح بعدد البرامج أو التصريحات، بل بعدد مناصب الشغل المستدامة التي يتم إحداثها، وتحسين ظروف العمل، وضمان الحقوق الاجتماعية، وتوفير فرص الإدماج الاقتصادي للشباب.
ويؤكد هذا الطرح أن المواطن أصبح بحاجة إلى مؤشرات دقيقة وشفافة، وتقارير دورية تقيس أداء مختلف القطاعات، وتحدد مواطن القوة والاختلال، بما يكرس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويحول الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستتمكن المؤسسات العمومية من اعتماد منظومة دقيقة وشفافة لقياس جودة الخدمات الأساسية، بنفس الدقة التي تقيس بها التكنولوجيا سرعة الدراجات والمؤشرات الرياضية؟ فالإجابة عن هذا السؤال تمثل أحد أهم رهانات التنمية، التي تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتجعل من جودة الخدمات معيارًا حقيقيًا لنجاحها.

التعليقات مغلقة.