هل ترفع الأمطار أسعار اللحوم قبل رمضان؟
تطرح التساقطات المطرية التي تعرفها عدد من مناطق المملكة، مع اقتراب شهر رمضان، تساؤلات واسعة في أوساط المغاربة حول انعكاسها المحتمل على أسعار اللحوم الحمراء، خاصة لحم الغنم والبقر والمعز، في ظل مخاوف متزايدة من موجة غلاء جديدة قد تثقل كاهل الأسر خلال فترة تعرف تقليدياً ارتفاعاً في الطلب والاستهلاك.
تُسهم الأمطار، من حيث المبدأ، في تحسين وضعية الكلأ والمراعي، وهو ما يفترض أن يخفف الضغط على مربي الماشية على المدى المتوسط، عبر تقليص كلفة الأعلاف وتحسين شروط التربية. غير أن هذا الأثر الإيجابي لا يظهر بشكل فوري، بل يحتاج إلى وقت، في حين أن السوق يعيش حالياً على إيقاع ظرفية دقيقة تتداخل فيها عوامل مناخية، ولوجستيكية، وتجارية، وانتظارات اجتماعية مرتبطة برمضان.
عملياً، تؤدي التساقطات المطرية، خصوصاً عندما تكون غزيرة، إلى صعوبات في تنقل القطيع، وتأخير عمليات التسويق والنقل نحو المجازر والأسواق الأسبوعية، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل بسبب تضرر بعض المسالك القروية. هذه العناصر قد يستغلها بعض الوسطاء لتبرير رفع الأسعار، حتى في غياب مبررات حقيقية مرتبطة بالعرض والإنتاج، ما يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية ومضاربات ظرفية.
ويخشى مهنيون ومستهلكون على حد سواء أن تتحول هذه الظرفية إلى فرصة سانحة لبعض “الشناقة” والوسطاء لفرض زيادات غير مبررة، خاصة مع الارتفاع الموسمي للطلب خلال شهر رمضان، حيث يزداد الإقبال على اللحوم الحمراء، سواء للاستهلاك اليومي أو للعزائم والولائم العائلية، ما يجعل السوق أكثر هشاشة أمام أي اختلال في التوازن.
في المقابل، تظل الدولة مطالبة بلعب دور محوري في ضبط السوق، ليس فقط عبر الخطاب، ولكن من خلال إجراءات عملية وملموسة. فالتصدي للاحتكار يمر أساساً عبر تشديد المراقبة على مسالك التوزيع، من الضيعات والأسواق الأسبوعية إلى المجازر ونقط البيع بالتقسيط، مع تتبع هوامش الربح، وضمان احترام المنافسة الشريفة، وعدم ترك المجال أمام تضخيم الأسعار بدعوى الظروف المناخية.
كما أن المراقبة الصارمة للأسعار تكتسي أهمية خاصة في هذه المرحلة، سواء عبر لجان مختلطة تضم السلطات المحلية والمصالح البيطرية ومندوبيات التجارة، أو من خلال تفعيل آليات الزجر في حق كل من يثبت تورطه في الاحتكار أو التلاعب بقوت المواطنين. فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب المراقبة الاستباقية غالباً ما يؤدي إلى انفلات الأسعار، يصعب التحكم فيه لاحقاً.
ولا ينفصل هذا النقاش عن البعد الاجتماعي، إذ تمس أسعار اللحوم الحمراء بشكل مباشر القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، الذين باتوا يضطرون في كثير من الأحيان إلى تقليص استهلاكهم أو الاستغناء عنه كلياً، ما يطرح إشكالاً حقيقياً حول العدالة الاجتماعية والحق في ولوج غذاء متوازن خلال شهر ذي رمزية دينية خاصة.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الأمطار سترفع بالضرورة أسعار اللحوم الحمراء، لكن الخطر يكمن في كيفية تدبير هذه الظرفية. فبين عامل مناخي مؤقت، وسوق يعرف تاريخياً هشاشة أمام المضاربة، يبقى الرهان الحقيقي هو مدى جاهزية الدولة للتدخل في الوقت المناسب، بحزم وشفافية، لضمان تموين كافٍ، وأسعار معقولة، حتى يمر شهر رمضان دون أن يتحول القلق من الغلاء إلى عبء يومي على موائد المغاربة.

التعليقات مغلقة.