تشهد الساحة السياسية والدبلوماسية توتراً متزايداً على خلفية تصريحات صادرة عن دوائر أمريكية أعادت فتح ملف السيادة على مدينتي سبتة ومليلية، وهو ما أثار قلقاً واضحاً في مدريد. فقد كشفت تقارير إعلامية إسبانية أن النقاش لم يعد مقتصراً على الأوساط الأكاديمية أو السياسية المحلية، بل امتد إلى مؤسسات القرار في الولايات المتحدة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إل كونفيدنسيال”، فقد طرح النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت القضية داخل لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، معتبراً أن المدينتين، رغم إدارتهما من قبل إسبانيا، تقعان جغرافياً داخل التراب المغربي. ودعا المسؤول الأمريكي وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الدفع نحو اتفاق ثنائي بين الرباط ومدريد لتسوية وضعهما.
وكان دياز بالارت قد أثار جدلاً في وقت سابق من شهر أبريل، عندما صرح في مقابلة إعلامية بأن سبتة ومليلية ليستا جزءاً من المجال الجغرافي الإسباني، مشيراً إلى العلاقات الاستراتيجية المتينة التي تجمع الولايات المتحدة بالمغرب. هذه التصريحات زادت من حساسية الملف داخل إسبانيا، حيث يُنظر إلى المدينتين باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية.
في السياق ذاته، أفادت تقارير إعلامية أخرى بأن البيت الأبيض اطلع على وثيقة تحليلية تنتقد الموقف الإسباني، وتتبنى أطروحات أقرب إلى الرؤية المغربية بشأن المدينتين. كما أوصت الوثيقة بإثارة نقاش داخلي داخل الإدارة الأمريكية حول مستقبل سبتة ومليلية، في ظل تنامي العلاقات بين واشنطن والرباط.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه العلاقات الإسبانية الأمريكية توتراً ملحوظاً، خاصة بعد رفض رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في عمليات عسكرية محتملة ضد إيران. هذا الموقف دفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى دراسة خيارات رد، من بينها مراجعة بعض الترتيبات داخل حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا الإطار، تحدثت تقارير عن احتمال إعادة النظر في دور إسبانيا داخل بعض آليات الحلف، في خطوة قد تعكس حجم التوتر القائم بين الجانبين. كما أشارت وكالة “رويترز” إلى أن واشنطن تدرس إجراءات إضافية، تزامناً مع إعلانها سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، بالتوازي مع زيارة مسؤول عسكري أمريكي رفيع إلى المغرب، ما فُسّر على أنه جزء من إعادة انتشار استراتيجي.
ويُذكر أن مدينتي سبتة ومليلية لا تشملها الضمانات الدفاعية الجماعية لحلف شمال الأطلسي، وهو ما يعقد وضعهما الأمني. وكانت إسبانيا قد فشلت في إدراجهما ضمن هذا الإطار خلال قمة الحلف التي انعقدت في مدريد عام 2022، الأمر الذي يضفي مزيداً من الحساسية على أي نقاش دولي بشأن مستقبلهما.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن ملف سبتة ومليلية مرشح للبقاء في صدارة الاهتمام السياسي والدبلوماسي، مع احتمالات تصاعد الضغوط الدولية لإيجاد صيغة توافقية ترضي مختلف الأطراف المعنية.

التعليقات مغلقة.