بقلم الأستاذ محمد عيدني
في العقود الأخيرة، تحوّل موضوع “الانتحار بمساعدة الغير” إلى إحدى أكثر القضايا الأخلاقية والقانونية والطبية تعقيدًا وإثارة للجدل في العالم المعاصر. فبين من يراه تجسيدًا لحق الفرد في تقرير مصيره وإنهاء معاناته بكرامة، ومن يعتبره تعدّيًا على قدسية الحياة ومسؤولية المجتمع في حماية الإنسان من نفسه، تتقاطع المواقف بين الأخلاق، والقانون، والدين، والفلسفة، والطب.
في هذا المقال، نحاول معالجة هذه الإشكالية الحساسة من زاوية أكاديمية ومجتمعية، مستعرضين أبعادها القانونية والفكرية والإنسانية، مع تحليل نقدي لموقعها في النقاش العام بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.
أولاً: المفهوم والإطار القانوني
يُقصد بـ”الانتحار بمساعدة الغير” أن يقوم شخص آخر — غالبًا طبيب أو متخصص — بتوفير الوسائل أو الأدوية التي تُمكّن المريض من إنهاء حياته بنفسه، بناءً على طلب صريح ومسبق من المريض.
ويختلف هذا المفهوم عن القتل الرحيم (Euthanasia)، الذي يُنفَّذ فيه الفعل من قبل الطبيب مباشرة، دون تدخل المريض.
في أوروبا، تُعدّ سويسرا وهولندا وبلجيكا من أوائل الدول التي قنّنت هذا الإجراء وفق ضوابط صارمة. ففي سويسرا مثلًا، يُسمح بمساعدة الشخص على الانتحار شريطة ألا يكون الهدف من ذلك الربح المادي، وأن يثبت أن المريض يعاني من مرض مستعصٍ أو آلام لا تُحتمل.
أما في كندا وبعض الولايات الأمريكية مثل أوريغون وواشنطن، فقد جرى إقرار قوانين تسمح بما يُعرف بـ”الموت بمساعدة الطبيب”، بشرط أن يكون المريض في مرحلة نهائية من المرض، وأن يُعبّر عن إرادته بحرية تامة، بعد تقييم نفسي وطبي شامل.
لكن رغم هذه التشريعات، ما يزال الموضوع موضع انقسام حاد داخل المجتمعات الغربية نفسها، بين من يعتبره تقدّمًا إنسانيًا ومن يراه انحدارًا أخلاقيًا.
ثانيًا: البعد الأخلاقي والفلسفي
من وجهة نظر فلسفية، يرتكز مؤيدو هذا الحق على مبدأ الاستقلال الذاتي للفرد (Autonomy)، الذي يمنح الإنسان الحق في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بجسده وحياته. ويرى هؤلاء أن إجبار المريض على تحمّل الألم غير المحتمل يتعارض مع كرامته الإنسانية.
في المقابل، يؤكد الرافضون أن الحياة ليست ملكية فردية مطلقة، بل قيمة جماعية وأخلاقية تتجاوز الفرد نفسه. فالسماح بإنهاء الحياة — حتى بموافقة صاحبها — يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة:
هل يصبح “الموت” علاجًا مشروعًا للمعاناة؟ وهل يُمكن للمجتمع أن يشرعن مساعدة الإنسان على إنهاء وجوده دون أن يفقد جزءًا من إنسانيته؟
وفي الفكر الديني، تُجمع الأديان السماوية — الإسلام والمسيحية واليهودية — على تحريم الانتحار بأي شكل من الأشكال، معتبرة أن الحياة هبة إلهية لا يملك الإنسان حق إنهائها. ومع ذلك، فإن بعض اللاهوتيين في الغرب بدأوا في طرح مقاربات جديدة أكثر مرونة، تربط بين الرحمة الإلهية ومعنى الكرامة الإنسانية في مواجهة الألم.
ثالثًا: الطب بين الرحمة والمبدأ المهني
من الناحية الطبية، يواجه الأطباء معضلة أخلاقية مزدوجة: فهم مُلزمون بميثاق القسم الطبي الذي يقوم على إنقاذ الحياة، وفي الوقت ذاته مطالبون أحيانًا باحترام إرادة المريض التي تدعو إلى إنهائها.
وتشير دراسات متعددة إلى أن الكثير من الأطباء الذين شاركوا في حالات انتحار بمساعدة الغير عانوا لاحقًا من صدمات نفسية وشعور بالذنب، ما يبرز أن المسألة لا تقتصر على المريض فحسب، بل تمتد إلى الضمير المهني والإنساني للطبيب.
في المقابل، يرى المدافعون عن التشريع أن تنظيم هذه الممارسة قانونيًا أفضل من تركها في الظل، حيث يمكن أن تُمارس بشكل سري وغير آمن. ويؤكدون أن القوانين الواضحة تضمن حماية المريض من الاستغلال وتمنح الطبيب إطارًا أخلاقيًا للتصرف.
رابعًا: البعد الاجتماعي والسياسي
على الصعيد الاجتماعي، يُطرح السؤال الجوهري:
هل يملك المجتمع الحق في منع الفرد من اختيار الموت؟ أم أن واجبه هو حمايته حتى من نفسه؟
الأنظمة السياسية الديمقراطية تميل اليوم إلى تبنّي مقاربة وسطية، تقوم على احترام الحرية الفردية مع وضع ضوابط صارمة تحمي الفئات الهشة، مثل كبار السن، وذوي الإعاقة، والمصابين بالاكتئاب المزمن.
ويخشى المعارضون أن يؤدي تشريع الانتحار بمساعدة الغير إلى تطبيع ثقافة “الهروب من الألم” بدلاً من مواجهته، وإلى تقليص الاستثمار في الرعاية التلطيفية والدعم النفسي، مما قد يضعف التزام الدول تجاه المرضى المحتاجين.
خامسًا: نحو مقاربة إنسانية شاملة
إن النقاش حول الانتحار بمساعدة الغير لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية “الحق” و”التحريم”، بل في مفهوم أوسع للكرامة الإنسانية.
فمن واجب المجتمعات — بدل الاكتفاء بتقنين الموت — أن تطور سياسات دعم نفسي واجتماعي ورعاية طبية تلطيفية تُعيد الأمل للمريض وتخفف معاناته، دون أن تُحيله إلى خيار الموت كحلّ وحيد.
الكرامة الحقيقية ليست في اختيار الموت، بل في أن تضمن الدولة والطب والمجتمع حياةً كريمة حتى اللحظة الأخيرة.
خاتمة
يبقى الانتحار بمساعدة الغير سؤالاً مفتوحًا في ضمير الإنسانية المعاصرة:
كيف نوازن بين احترام الحرية الفردية وصون الحياة كقيمة مقدسة؟
الإجابة ليست في القانون وحده، بل في الضمير الجمعي وقدرتنا على بناء أنظمة صحية وإنسانية تحترم المعاناة وتحتضن الضعف دون أن تشرعن الفناء.
فالمجتمع الذي يبرر الموت باسم الحرية، قد يفقد تدريجيًا إيمانه بقدسية الحياة نفسها.

التعليقات مغلقة.