شكلت مدينة مراكش على امتداد عقود طويلة مشتلا لعدد من كبار السياسيين بالمغرب ، بمختلف توجهاتهم الفكرية والإيديولوجية من اليساريين الى اليمينيين ووصولا الى الإسلاميين،
فمن هذه المدينة خرج الأستاذ مولاي عبد الله ابراهيم الذي يعتبره كثيرون من أبرز رؤساء الحكومات ( الوزراء الأولون سابقا ) في تاريخ المغرب الحديث، بعدما قاد حكومة ذات توجه تقدمي، وضعت اللبنات الأولى لإقتصاد وطني قائم على الصناعة، كما ارتبط اسمه بقرار تأميم بنك المغرب،
كما أنجبت مراكش الاستاذ امحمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال والذي تقلد عددا من الحقائب الوزارية، أشتهر بمداخلاته القوية داخل قبة البرلمان ،وبمواقفه من وزير الداخلية الأسبق، وهو ماجعله يرفض المشاركة في أول حكومة للتناوب التي اقترحها الملك الراحل الحسن الثاني على أحزاب الكتلة ، بسبب تشبت الدولة آنذاك بالإبقاء على وزير الداخلية نفسه،
ومن المدينة ذاتها، برز أيضا اسم الأستاذ مولاي امحمد الخليفة، أحد أبرز الوجوه البرلمانية لحزب الاستقلال ، والذي كان حضوره داخل المؤسسة التشريعية لافتا، بفضل قوة مداخلاته وجرأته في طرح القضايا الوطنية،
وحتى الأحزاب الإدارية كان لها حضور وازن بمدينة مراكش من خلال المرحم عمر الجزولي ، أحد أبرز وجوه حزب الإتحاد الدستوري،
غير أن المشهد السياسي الحالي بات يفرز نماذج جديدة تثير الكثير من الجدل، بعد أن أصبح البعض يعتقد أن الشهرة على مواقع التواصل الإجتماعي، أو القيام بخطوات ظرفية ذات طابع استعراضي، كافية لبلوغ قبة البرلمان،
فقد برز في الآونة الأخيرة شاب أثار الإنتباه بخرجاته المثيرة، بعدما عمد في البداية، الى تخفيض لبضعة أيام ثمن سمك السردين الى خمسة دراهم وبعض أنواع الحوت ، وهو ثمن لا يغطي حتى كلفة الشراء ، واستغل هذا المعطى لتقديم نفسه باعتباره قريبا من هموم المواطنين، قبل أن يعلن في خطوة مبكرة عن رغبته في الترشح للإنتخابات التشريعية المقبلة،
ويبدو أن هذا الشاب استند في طموحه السياسي الى دعوة الملك محمد السادس الى فسح المجال أمام الشباب للمشاركة في الحياة السياسية مع تمكينهم من دعم مالي مهم، غير أن الفرق كبير بين تشجيع الشباب على الإنخراط المسؤول في العمل السياسي، وبين تحويل السياسة الى مجرد شعبوية تقوم على الإثارة واستغلال معاناة المواطنين،
ومنذ إعلانه عن نيته دخول غمار الإنتخابات، شرع المعني بالأمر في حملة انتخابية سابقة لأوانها ، معتمدا على نشر مقاطع فيديو ينتقد فيها أوضاع بعض الأحياء ومشاكل المدينة، معتبرا أن المنتخبين فشلوا في تدبير الشأن المحلي،
غير أن هذا الطرح يكشف، في نظر الكثيرين، عن ضعف في التكوين السياسي وعدم الإلمام باختصاصات المؤسسات المنتخبة، فالمشاكل المرتبطة بالحفر، والإنارة العمومية، وتهيئة الشوارع والنظافة، تدخل أساسا في اختصاص المجلس الجماعي ، أما الجهة فمن أبرز اختصاصاتها، إعداد برامج التنمية الجهوية ، والنقل الجهوي ، والتكوين المهني، وتشجيع الإستثمار، وإنجاز المشاريع الإقتصادية الكبرى والبنية التحتية ذات البعد الجهوي،
في المقابل يظل البرلمان مؤسسة تختلف اختصاصاتها بشكل كامل، إذ تتمثل مهامها الأساسية في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والمصادقة على الميزانية، ووضع الإطار العام للسياسات العمومية،
ومن هنا يبرز السؤال : كيف يمكن لمن لا يميز بين اختصاصات البرلمان، واختصاصات الجماعة الترابية، أن يطمح الى تمثيل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية ؟
إن المسؤولية لا تقع فقط على هذا النوع من الطامحين، بل تتحملها الأحزاب السياسية التي تخلت في كثير من الأحيان، عن دورها التأطيري والتكويني، ولم تعد تهتم بإعداد الشباب القادر على ممارسة السياسة بمعناها النبيل، بل تحولت لدى البعض الى مجرد دكاكين انتخابية تفتح أبوابها عند كل استحقاق، وتغلقها مباشرة بعد اعلان النتائج،
وقد أدى هذا الفراغ الى فتح المجال أمام أشخاص يبحثون عن المصالح الشخصية, أو الإمتيازات، أو الحصانة، أكثر مما يبحثون عن خدمة الصالح العام،
إن مدينة مراكش بتاريخها السياسي ورمزيتها الوطنية، في حاجة الى كفاءات حقيقية ورجالات دولة قادرين على الدفاع على مصالحها داخل البرلمان، والمساهمة في إعداد مشاريع كبرى تليق بمكانتها كوجهة سياحية واقتصادية عالمية، وتساهم في تطوير البنية التحتية، وجاذبيتها الإستثمارية،
أما تحويل العمل السياسي الى مجرد حلم يقوم على الشهرة والشعبوية، دون تكوين سياسي أو ثقافي أو إدراك حقيقي لوظيفة المؤسسات فلن يؤدي إلا الى مزيد من العبث وافراغ السياسة من معناها الحقيقي.

التعليقات مغلقة.