أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الرباط تبحث ملامح النظام الدولي الجديد: هل تعيد واشنطن هندسة العالم؟

 

شهدت مؤسسة خالد الحسن بالرباط لقاء فكريا ضمن فعاليات “الديوانية الرمضانية”، خُصص لمناقشة سؤال راهن في العلاقات الدولية: هل يتجه العالم نحو نظام دولي جديد تُعيد الولايات المتحدة رسم قواعده، أم أن ميزان القوى العالمي يسير نحو تعددية قطبية تُنهي زمن الأحادية الأمريكية؟

اللقاء، الذي احتضنه مركز الدراسات والأبحاث التابع للمؤسسة، جمع الإعلامي الدكتور أمين صوصي علوي، والخبير المالي راغب أبو محمد، وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور إسماعيل حمّودي من جامعة سيدي محمد بن عبد الله، حيث تقاطعت مداخلاتهم حول تحولات القوة العالمية في ظل تصاعد التنافس الأمريكي–الصيني، وتداعيات الأزمات الاقتصادية، وانعكاسات ذلك على قضايا المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين.

واشنطن بين التحول الداخلي وإعادة تعريف الخصوم

ركز الدكتور أمين صوصي علوي على التحولات البنيوية داخل الولايات المتحدة، معتبرا أن النخب المالية والمحافظين الجدد لعبوا دورًا حاسمًا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية منذ حرب الخليج وصولًا إلى ما عُرف بالثورات الملونة، ضمن رؤية أيديولوجية حددت خصومًا استراتيجيين هم: الصين، روسيا، والعالم الإسلامي.

واعتبر أن صعود خطاب “أمريكا أولاً” مع Donald Trump شكّل نقطة انعطاف، عبر الدعوة إلى تقليص العولمة، وإعادة التصنيع، وفرض رسوم جمركية لحماية الصناعة الوطنية، مع التركيز على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والشرائح الإلكترونية، والدواء. كما رأى أن جائحة كورونا كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على الخارج، ما عزز التوجه نحو إعادة تموضع استراتيجي يقترب من مبدأ مونرو أكثر من أطروحات “حرب الحضارات”.

الدولار والقوة العسكرية: معادلة الهيمنة المستمرة

من جانبه، استعرض راغب أبو محمد الأسس التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي منذ مؤتمر Bretton Woods Conference عام 1944، الذي أرسى الدولار كعملة مرجعية مرتبطة بالذهب، قبل أن يُنهي الرئيس Richard Nixon هذا الارتباط عام 1971، ليصبح الدولار معيارًا قائمًا بذاته، معززًا الهيمنة النقدية الأمريكية.

وأوضح أن تسعير المواد الأولية عالميًا بالدولار، واحتفاظ الدول باحتياطاتها في البنوك الأمريكية، جعلا من السوق الأمريكية محورًا للاستهلاك العالمي. وأكد أن السيطرة على النظام المالي تعني عمليًا التحكم في مسارات التنمية، لأن الرأسمالية الحديثة تقوم على ديناميكية الإقراض وحركة القروض، حيث تلعب البنوك المركزية دور “المراقب الأعلى”.

وأشار إلى أن إزاحة الدولار تتطلب قوة عسكرية–سياسية موازية، في ظل الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية وهيمنتها الجوية والبحرية. فالعلاقة بين الاقتصاد والقوة الصلبة، برأيه، علاقة عضوية لا يمكن فصلها.

وفي سياق صعود الصين، لفت إلى استثمارات بكين الضخمة في الطاقات المتجددة، خاصة الألواح الشمسية، مقابل استمرار الرهان الأمريكي على النفط والطاقة التقليدية، مع مشاريع تكنولوجية مستقبلية أعلنت عنها شركات مثل SpaceX بقيادة Elon Musk، تتعلق بإمكانية إنتاج الطاقة عبر الأقمار الصناعية، ما قد يفتح أفقًا جديدًا في معادلة الطاقة العالمية.

أزمة هيمنة أم تفكك نظام؟

أما الدكتور إسماعيل حمّودي فاعتبر أن النظام الدولي الليبرالي يعيش مرحلة انتقالية تتسم بأزمة هيمنة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تفككه النهائي. وأشار إلى وجود نقاش أكاديمي واسع داخل الولايات المتحدة حول طبيعة هذا التحول، مستشهدًا بأطروحات مفكرين مثل John Mearsheimer وG. John Ikenberry وRobert W. Cox.

فبينما يرى ميرشايمر أن النظام الليبرالي يحمل بذور تفككه داخليا، يعتقد آيكينبيري بإمكانية استمراره بعد تعديلاته، في حين يعتبر كوكس أن ما يجري يعكس أزمة في بنية الهيمنة الأمريكية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام بدل انهياره.

وخلص حمّودي إلى أن التعددية القطبية في طور التشكل، بفعل صعود الصين وروسيا، ومحاولاتهما تقليص الاعتماد على الدولار واللجوء إلى العملات المحلية، غير أن ميزان القوى لم يصل بعد إلى توازن حاسم، ما يجعل المرحلة الحالية انتقالية بامتياز.

بين إعادة إنتاج الهيمنة وتعددية ناشئة

انتهى اللقاء إلى خلاصة مفادها أن العالم يعيش مخاضًا لنظام دولي جديد، غير أن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بأوراق قوة رئيسية: مركزية الدولار، التفوق العسكري، عمق السوق الاستهلاكية، والتحكم في سلاسل التمويل العالمية.

في المقابل، تتعاظم القوة الاقتصادية والتقنية للصين، مدفوعة بثورة الذكاء الاصطناعي وصراعات الطاقة والتحولات الداخلية الأمريكية، ما يضع النظام الدولي أمام احتمالين: إما تعديل تدريجي يُبقي على القيادة الأمريكية بأدوات جديدة، أو إعادة تشكل أعمق نحو تعددية قطبية أكثر توازنا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام أفول تدريجي للأحادية الأمريكية، أم أمام إعادة صياغة أكثر مرونة لهيمنتها في ثوب جديد؟

التعليقات مغلقة.