برز جدل دستوري حاد بين خبراء المالية العمومية حول التزام الحكومة بالإجراءات الدستورية في إعداد المشروع، خاصة ما تعلق بالفصل 49 من الدستور الذي ينظم تداول المجلس الوزاري للتوجهات العامة لمشروع قانون المالية.
يرى فريق من الخبراء أن الحكومة وقعت في خلط إداري بين مسطرة دستور 1996 وما يفرضه دستور 2011 والقانون التنظيمي الجديد للمالية. وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور جواد لعسري، الخبير في المالية العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن هذا الخلل يعود إلى عدم اطلاع الحكومة بدقة على التعديلات الجوهرية المتعلقة بمساطر إعداد مشاريع القوانين المالية.
ويشير لعسري إلى أن استمرار اعتماد الممارسات السابقة أدى إلى أن يُنظر إلى مشروع قانون المالية الحالي على أنه يخالف المسطرة الدستورية، لاسيما فيما يتعلق بانعقاد المجلس الوزاري قبل إعداد الرسالة التأطيرية لرئيس الحكومة، وهو ما يعد إخلالاً بالضوابط الدستورية التي أرستها الوثيقة الدستورية لسنة 2011.
في المقابل، يقدم المؤيدون لمشروع القانون قراءة مرنة للضوابط الدستورية، حيث يرى المصطفى منار، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس، أن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية يمكن استنباطها من خطب الملك والرسائل الموجهة قبل انعقاد المجلس الوزاري، وهو ما يكفل دستورية المشروع ويمنحه الشرعية اللازمة.
ويؤكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة تأخذ بعين الاعتبار خطاب عيد العرش، مشدداً على أن الأولويات الواردة في المشروع تتطابق مع التوجيهات الملكية، ما يضمن احترام الدستور وإجراءات إعداد القانون، ويجعل مشروع قانون المالية لسنة 2026 قانونياً ودستورياً وفق المعايير المعمول بها.
على الرغم من هذا الجدل الدستوري، يبدو أن هناك إجماعاً على المضمون الذي يحمله مشروع قانون المالية لسنة 2026، حيث يعكس الأولويات الوطنية المالية والاقتصادية للدولة. ويؤكد الخبراء أن هذا المشروع يأتي في سياق اقتصادي أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات الماضية، مع انخفاض معدلات التضخم واستقرار أسعار المواد الأساسية، وفقاً للقراءة التحليلية التي يقدمها خبراء الاقتصاد.
يظل هذا النقاش الدستوري تجسيداً لحيوية الحياة الديمقراطية وتمايز القراءات القانونية، بينما تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية حصيلة المناقشات البرلمانية التي ستحدد مصير هذا المشروع الذي يؤثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

التعليقات مغلقة.