أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حملة ضريبية واسعة تستهدف المقاولين الذاتيين بعد انقضاء فترة الإعفاء

جريدة أصوات

باشرت فرق المراقبة والتحصيل التابعة للمديريات الجهوية والإقليمية للضرائب عمليات تدقيق موسعة تستهدف آلاف المقاولين الذاتيين المتخلفين عن أداء مستحقات الرسم المهني، بعد انقضاء فترة الإعفاء القانونية المحددة بخمس سنوات. وتتركز الحملة بشكل خاص على محور الرباط-الدار البيضاء، حيث يتم إرسال إنذارات رسمية لتسوية الديون تمهيداً لإخضاع المتخلفين لمراجعات ضريبية دقيقة قد تتطور إلى تحصيل جبري.

كشفت مصادر مطلعة أن عملية التدقيق تستند إلى خوارزميات تحليل بيانات مركزية متطورة، مكنت من رصد آلاف الفواتير التي تم توظيفها لتبرير نفقات وهمية وتجاوز السقف القانوني لرقم المعاملات المسموح به في نظام المقاول الذاتي.

وأظهرت المراجعات الأولى تناقضات واضحة بين الفواتير المزورة وكشوفات الحسابات البنكية، حيث غابت التحويلات ووسائل الأداء المبررة لعدد كبير من المعاملات التجارية المفترضة. كما تم رصد عمليات توظيف لأختام مقاولين ذاتيين ضمن تصريحات جبائية لشركات، في محاولة لتبرير تكاليف أشغال وخدمات وهمية.

تظهر الإحصائيات الرسمية محدودية الانخراط الفعلي في نظام المقاول الذاتي، حيث لم يتجاوز عدد المسجلين 441 ألف شخص حتى نهاية 2024. الأكثر إثارة للقلق أن الالتزام الضريبي الفعلي لا يتجاوز 6% فقط من هذا العدد، أي نحو 27 ألف شخص يلتزمون فعلياً بأداء واجباتهم الضريبية.

ويرى خبراء أن هذه النسبة المتدنية تعكس فشلاً هيكلياً في النظام الذي كان يهدف أصلاً إلى إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل في الاقتصاد الرسمي، حيث تحولت التجربة من “قصة نجاح” كما تروجها الخطابات الرسمية إلى “فخ ضريبي” للعديد من المغاربة.

يتمتع المقاول الذاتي بسلسلة من الامتيازات التشجيعية، منها الإعفاء من التسجيل في السجل التجاري، والإعفاء من الالتزامات المحاسبية المعقدة، وإمكانية توطين نشاطه في إقامته الشخصية. كما يستفيد من حماية خاصة حيث لا يمكن حجز مقر إقامته الرئيسي بسبب الديون المستحقة عليه.

غير أن هذه الامتيازات، بدلاً من تشجيع الانخراط الجاد في النظام، تحولت إلى ثغرات استغلها بعض المقاولين الذاتيين وشركات أخرى للتهرب الضريبي، عبر تزوير فواتير وتضخيم نفقات وهمية، ما دفع السلطات الضريبية إلى تشديد مراقبتها.

تعتزم المديرية العامة للضرائب الانتقال إلى مرحلة التحصيل الجبري للمتخلفين عن التسديد، عبر تفعيل مساطر الحجز على الحسابات البنكية وتقييد الأصول الثابتة والمنقولة للمدينين. ويأتي هذا التحرك في إطار مخطط أوسع يهدف إلى تعزيز موارد الخزينة العامة وتوسيع دائرة الامتثال الضريبي.

من جهة أخرى، تواجه المديرية العامة للضرائب تحدياً في تناقض الخطاب بين ما تروجه من دعم للمقاولين الذاتيين – كما ظهر في مشاركتها الفعالة في صالون المقاول الذاتي في ماي 2025 – وبين الحملات الصارمة التي تشنها ضدهم. وهذا ما يفسر تذمر العديد من المقاولين الذين يشعرون بأنهم “ضحية جهل إداري” ويفضلون العودة إلى القطاع غير المهيكل بدل البقاء في نظام “لا يمنح سوى المتاعب”.

في ظل هذه التطورات، يطرح مستقبل نظام المقاول الذاتي تساؤلات كبيرة حول جدواه وفعاليته في تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها. فبدلاً من أن يكون أداة لدمج الاقتصاد غير المهيكل، تحول إلى عبء إداري ومالي على آلاف المغاربة الذين دخلوا النظام بحماس ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم.

وتزداد التعقيدات بسبب ضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية، حيث تتوزع الإجراءات بين بريد المغرب الذي يسجل النظام ومديريات الضرائب التي تحتسب الرسوم، ما يخلق حلقة بيروقراطية مغلقة يصعب الخروج منها. ويطالب خبراء اقتصاديون بإعادة النظر في فلسفة النظام برمته، والانتقال من عقلية الجباية إلى عقلية المواكبة والدعم الحقيقي للمشاريع الصغيرة.

ختاماً، تواجه السلطات الضريبية مأزقاً حقيقياً في معالجة ملف المقاولين الذاتيين: فمن ناحية، تحتاج إلى تعزيز الامتثال الضريبي وزيادة موارد الخزينة، ومن ناحية أخرى، عليها الحفاظ على روح النظام التشجيعية التي أُنشئت من أجلها. ويبدو أن الحل الأمثل يكمن في إصلاح جذري يوازن بين مراعاة ظروف المقاولين الصغار وضمان العدالة الجبائية، بدلاً من الاكتفاء بحملات تحصيل قد تدفع بالكثيرين إلى العودة إلى القطاع غير المهيكل.

التعليقات مغلقة.