تشهد أسواق النفط العالمية موجة غير مسبوقة من الارتفاعات الحادة في الأسعار، في ظل تصاعد أزمة الإمدادات الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على توازن العرض والطلب.
فقد دفعت مصافي التكرير في أوروبا وآسيا أسعار بعض أنواع النفط الخام في السوق الفورية إلى مستويات قياسية قاربت 150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بذلك بكثير أسعار العقود الآجلة، في مؤشر واضح على شدة النقص الفعلي في الإمدادات. ويعكس هذا الفارق الكبير حالة من القلق المتزايد لدى المشترين الذين يسعون لتأمين احتياجاتهم الفورية بدلاً من الاعتماد على إمدادات مستقبلية غير مضمونة.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى تعطل تدفق ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من نفط الشرق الأوسط، وهو ما يمثل نحو 12% من الإمدادات العالمية، بعد أن أصبح مضيق هرمز شبه مغلق نتيجة الحرب الدائرة. هذا التطور الاستراتيجي أدى إلى اختناق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، مما زاد من حدة المنافسة بين المصافي العالمية للحصول على بدائل سريعة.
ورغم ارتفاع العقود الآجلة لخام برنت إلى 119.50 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، إلا أنها لا تزال دون الذروة التاريخية المسجلة عام 2008 عند 147.50 دولاراً. غير أن اللافت هو الفجوة الواسعة بين الأسعار الفورية والآجلة، والتي تعكس حالة سوق غير مستقرة تهيمن عليها المخاوف الفورية أكثر من التوقعات المستقبلية.
وفي هذا السياق، سجل خام “فورتيس” من بحر الشمال رقماً قياسياً جديداً بلغ 146.09 دولاراً للبرميل، متجاوزاً أعلى مستوياته السابقة. ويؤكد خبراء في قطاع الطاقة أن العامل الأساسي وراء هذا الارتفاع هو القلق من نقص الإمدادات، حيث يركز المشترون على تأمين النفط المتاح حالياً بدلاً من انتظار شحنات مستقبلية.
كما أشار محللون إلى أن السوق تعيش سباقاً مع الزمن للحصول على كميات جاهزة للتكرير فوراً، في ظل تزايد الضغوط على سلاسل التوريد العالمية.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات مرحلة دقيقة في أسواق الطاقة، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع الاقتصادية، مما ينذر باستمرار حالة التقلب وارتفاع الأسعار في المدى القريب، ما لم تُحل أزمة الإمدادات أو تُفتح مسارات بديلة لتدفق النفط.

التعليقات مغلقة.