أكد رياض مزور أن الواقع الاقتصادي الجديد يفرض أسعاراً لا يمكن مقارنتها بما كانت عليه قبل سنوات لا تزال أسعار اللحوم الحمراء في المغرب تشعل الجدل الشعبي والرسمي، فبينما يئن المستهلك تحت وطأة أثمان تجاوزت حاجز 100 درهم للكيلوغرام في معظم المدن، يخرج وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بتصريحات يعيد فيها رسم خريطة المعادلة الاقتصادية للقطاع، مؤكداً أن الحديث عن العودة إلى أسعار 70 أو 75 درهماً “لم يعد منسجماً مع الواقع الاقتصادي الحالي”.
في مداخلة إعلامية، حاول الوزير تفكيك أسباب استمرار أسعار اللحوم في مستوياتها القياسية، مشيراً إلى أن التركيز فقط على ما يعرف بـ”الشناقة” (الوسطاء) لم يعد كافياً لتفسير المشهد. فخلف الكواليس، ثمة متغيرات هيكلية عميقة يعيشها القطاع، تتعلق بارتفاع كلفة الإنتاج بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس تلقائياً على السعر النهائي للمستهلك.
غير أن هذه القراءة الاقتصادية تصطدم بواقع اجتماعي قاسٍ، حيث تحولت اللحوم الحمراء تدريجياً من مادة غذائية أساسية إلى سلعة شبه كمالية بالنسبة لشريحة واسعة من المغاربة، خاصة مع تداول معطيات حكومية سابقة حول استيراد الأبقار واللحوم وتحسن وضعية القطيع الوطني، وهي العوامل التي كان يُنتظر أن تخفف الضغط عن السوق.
في محاولة لتقديم قراءة رقمية للوضع، كشف مزور أن هامش ربح الجزار انتقل من ثمانية دراهم للكيلوغرام في السابق إلى نحو خمسة عشر درهماً حالياً. ورغم أن هذه الأرقام قد توحي للوهلة الأولى بمضاعفة في الأرباح، إلا أن الوزير أرجع هذه الزيادة إلى تحولات في بنية التكاليف، تشمل ارتفاع مصاريف التشغيل والإيجارات وأجور اليد العاملة، فضلاً عن تراجع حجم المبيعات بسبب ضعف القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس سلباً على دوران رأس المال.
هذه القراءة تضع النقاش حول هوامش الربح في سياقها الاقتصادي الأوسع، حيث لم تعد المقاربة الأمنية وحدها كافية لضبط الأسواق، بل أصبحت معادلات العرض والطلب وكلفة الإنتاج هي المتحكم الأول.
وعلى مستوى آليات التتبع، أكد الوزير أن مصالح الوزارة تراقب الأسعار يومياً عبر أكثر من خمسين نقطة موزعة على مختلف جهات المملكة، مع تتبع هوامش الربح في كل حلقات التوزيع من المجازر إلى محلات البيع بالتقسيط. وتشمل عملية الرصد عشرات المنتجات الأساسية لضمان شفافية السوق والتدخل عند تسجيل اختلالات واضحة.
غير أن هذه اليقظة الرقابية لا تخفي حقيقة أن الأدوات المتاحة للحكومة تبقى محدودة أمام قوانين السوق، خاصة في ظل غياب تدخل مباشر وفاعل يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في جيوب المواطنين.
وفي ختام تصريحاته، أشار مزور إلى أن التساقطات المطرية الأخيرة وتحسن المراعي قد يسهمان تدريجياً في استعادة التوازن داخل القطاع، عبر تخفيف الضغط على مربي الماشية وتقليص كلفة الأعلاف. لكنه شدد على أن هذا التحسن، إن تحقق، لن ينعكس بشكل فوري على الأسعار، لتبقى العودة إلى مستويات السنوات الماضية مجرد أمنية يصعب تحقيقها في المدى القريب.
وهكذا، يجد المغاربة أنفسهم أمام واقع اقتصادي جديد يفرض عليهم التكيف مع أسعار لم تعد استثناءً موسمياً، بل تحولت إلى قاعدة قد تستمر ما لم تحدث تدخلات هيكلية جريئة تعيد هيكلة سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتجعل من حق المواطن في الغذاء بأسعار معقولة أولوية تتجاوز الخطابات والتصريحات.

التعليقات مغلقة.