شهد الصندوق تحولات متلاحقة منذ تأسيسه تحت مسمى “صندوق التنمية القروية” سنة 1994، حيث تم تعديله في قانون المالية لسنة 2012، ثم أسند تدبيره سنة 2016 إلى وزير الفلاحة. وجاء هذا التحول التفاعلي مع الخطاب الملكي الداعي إلى تقليص الفوارق المجالية بين الوسطين القروي والحضري، تماشياً مع التوجيهات الملكية التي دأبت على الدعوة إلى إنصاف المناطق الجبلية وتوجيه الجهود التنموية نحوها.
يأتي تغيير الاسم ليس مجرد شكلياً، بل ليعكس توسيع مجالات تدخل الصندوق وتعزيز دوره في دعم التنمية المحلية المتوازنة. فبعد أن كان تركيزه منصباً على المناطق القروية والجبلية، أصبحت مهمته تشمل تحقيق تنمية ترابية مندمجة تشمل مختلف الجهات، خاصة الأقل حظاً من الاستفادة من ثمار التنمية.
ويعكس هذا التغيير الاهتمام المتزايد بمفهوم العدالة المجالية الذي حظي باهتمام بالغ في الأدبيات الغربية وأصبح منذ سنوات مفهوماً إرشادياً لتحليل السياسات العمومية، حيث يتم التعامل مع المجال كرقعة جغرافية وموطن اجتماعي ومصدر للثروة والخير العام.
يتركز عمل الصندوق على تمويل مشاريع تنموية مهيكلة تشمل دعم التشغيل المحلي وتثمين المؤهلات الاقتصادية للجهات وتحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحةالتدبير المستدام للموارد المائية ومواجهة تحديات الإجهاد المائي
أوضح عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، أن المنطق الدستوري والتعدد القطاعي لتدخلات الصندوق يفرضان أن يُسند الإشراف عليه إلى مؤسسة رئيس الحكومة، ضماناً للانسجام بين السياسات العمومية، محذراً من استغلاله انتخابياً في ظل اقتراب الاستحقاقات لسنة 2026.
من جهة أخرى، تم الحسم في إسناد سلطة تدبير الصندوق إلى وزارة الداخلية تفادياً لأي تضارب في الاختصاصات بين القطاعات الحكومية، كما أشار فادي وكيلي عسراوي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عبد المالك السعدي.
يتوفر الصندوق على غلاف مالي ضخم يناهز 5 مليارات درهم قابلة للصرف خلال سنة 2026، إضافة إلى 15 مليار درهم يمكن الالتزام بها مسبقاً برسم 2027، مما يجعله أحد أهم الأدوات المالية لدعم التنمية الترابية.
يذكر أن هذا التحول يأتي في سياق تراكم الخبرات، حيث كانت الوزارة الوصية قد بادرت سابقاً في إطار البرنامج الحكومي وتفعيلاً للاستراتيجية الوطنية للتنمية القروية، إلى اعتماد مسطرة طلب عروض مشاريع التنمية القروية المندمجة كطريقة جديدة لانتقاء المشاريع القابلة للتمويل من طرف صندوق التنمية القروية.
يأتي إدراج “صندوق التنمية الترابية المندمجة” في قانون مالية 2026، بغلاف مالي يصل إلى 20 مليار درهم، لتحفيز الاستثمار في الجهات الأقل استفادة، وتعبئة الرأسمال البشري كرافعة للإنتاج والنمو، في وقت لا يزال محور طنجة-الدار البيضاء يساهم بنحو 60% من الناتج الداخلي الخام، مما يبرز ضعف العدالة المجالية بالمغرب.

التعليقات مغلقة.