أشادت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني بخطة الحكومة التي لا تعتزم رفع الإنفاق بشكل حاد، معتبرة أن هذا النهج يقلل من المخاطر المالية بالبلاد. غير أن الوكالة حذرت في الوقت نفسه من أن “الخطر الرئيسي على الآفاق المالية يأتي من احتمال تجاوز الإنفاق على البنية التحتية للتقديرات”، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تستعد المملكة لتنفيذها استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030.
ملامح مالية متزنة
أشار تقرير فيتش إلى أن مشروع ميزانية 2026 يتوقع أن يبلغ عجز الميزانية العامة 3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، منخفضاً من 3.6% المتوقعة في 2025. كما يتوقع أن ينخفض إجمالي الإنفاق إلى 26.8% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 27.6% في ميزانية 2025، وذلك “أساساً بسبب ضبط النفقات الجارية مع بقاء الاستثمارات الرأسمالية مستقرة نسبياً”.
ولفت التقرير إلى أن هذه المؤشرات تتماشى بشكل وثيق مع التوقعات السابقة التي نشرتها السلطات المغربية، مما يشير إلى أن الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها سبتمبر 2025 لم تؤثر بشكل كبير على الخطط المالية للحكومة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى الحفاظ على نسبة دين الحكومة في مسار تنازلي، حيث تتوقع فيتش أن تنخفض هذه النسبة إلى نحو 66% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 بعد أن كانت 67% في 2025.
على الرغم من هذا المسار المالي المتزن، شددت الوكالة على أن الخطر الرئيسي يتمثل في احتمال تجاوز الإنفاق على البنية التحتية للتقديرات، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تستعد المملكة لتنفيذها استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، والتي تشمل بناء مطارات وسكك حديدية ومنشآت رياضية ومائية وطاقية.
تقدّر فيتش تكلفة هذه المشاريع بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تفترض أن هذا لن يشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الحكومة المركزية لأن الجزء الأكبر منها سيمول عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص. مع ذلك، حذرت الوكالة من أن “توسيع نطاق الضمانات الممنوحة للمؤسسات العمومية أو زيادة الإنفاق المباشر من الميزانية في سياق هذه المشاريع قد يشكل مخاطر على مسار الضبط المالي”.
تحديات عالمية وتجارب سابقة
تأتي تحذيرات فيتش في سياق عالمي تشهد فيه المشاريع الكبرى تجاوزات مالية متكررة. وفقاً لإحصائيات صناعية، 9 من أصل 10 مشاريع إنشائية تواجه تجاوزات في التكاليف بمتوسط زيادة يتراوح بين 15% إلى 28% . وتزداد هذه التجاوزات مع كبر حجم المشاريع، حيث تصل نسبة الزيادة في التكلفة إلى 30% في المشاريع التي تزيد قيمتها عن مليار دولار .
وقد شهدت الاستعدادات للأحداث العالمية الكبرى في دول أخرى تجاوزات كبيرة في الميزانيات، حيث تجاوزت تكاليف أولمبياد لندن الميزانية بنحو 11.91 مليار دولار، وأولمبياد أثينا بنحو 6.99 مليار دولار .
نموذج التمويل والضغط على الميزانية
في مواجهة هذه التحديات، يعتمد المغرب على نموذي تمويل يعتمد على الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتجنب الضغط المباشر على ميزانية الحكومة المركزية. كما تسجل المملكة تحسناً في الإيرادات الضريبية، حيث ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 15.2% لتصل إلى أكثر من 258.1 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 .
لكن التقرير أشار إلى أن الاعتماد على آليات “التمويل المبتكر” – التي تشمل عادة بيع الأصول المملوكة للدولة وإعادة استئجارها – سيشهد انخفاضاً، حيث تعمل الحكومة على التحول toward مصادر إيرادات أكثر استدامة لتعزيز متانة عملية الضبط المالي.
مستقبل الاستدامة المالية
في الختام، بينما يسير المغرب على مسار ضبط مالي يتوافق مع توقعات فيتش، تبقى مخاطر تجاوز الإنفاق على البنية التحتية هي التحدي الأبرز الذي يواجه متانة المالية العمومية. نجاح المملكة في إدارة هذه المشاريع الضخمة ضمن الأطر المالية المحددة سيكون اختباراً حاسماً لقدرتها على الموازنة بين متطلبات التنمية والاستدامة المالية، خاصة في ظل استعداداتها لاستضافة حدث عالمي بحجم كأس العالم 2030.

التعليقات مغلقة.