تصريحات ترامب حول إعدام الديمقراطيين تثير عاصفة سياسية في واشنطن
عقب أسبوع واحد فقط من انتهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، الذي استمر 43 يوماً وتسبب في شلل الخدمات الحكومية وحرمان نحو مليون موظف فيدرالي من رواتبهم، تجددت الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين على خلفية تصريحات مثيرة للرئيس دونالد ترامب اعتبرت دعوة لإعدام معارضين ديمقراطيين، في تصعيد غير مسبوق للصراع السياسي بين الحزبين.
الخلفية والأزمة
البداية كانت يوم الثلاثاء الماضي، عندما قام 6 أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس تجمعهم خلفيات عسكرية أو استخباراتية بمشاركة مقطع فيديو يحثون فيه الأفراد العسكريين والاستخباراتيين الأمريكيين على عدم اتباع أوامر تنتهك القانون أو الدستور.
وجه المشرعون الستة تحذيراً من أن “هذه الإدارة تضع موظفينا العسكريين النظاميين ومجتمع الاستخبارات في مواجهة المواطنين الأمريكيين”، مضيفين: “ندرك أنكم تحت ضغط هائل الآن، قوانيننا واضحة، يمكنكم رفض الأوامر غير القانونية. يجب عليكم رفض الأوامر غير القانونية”.
ومن بين المشرعين الديمقراطيين الذين شاركوا في الفيديو السيناتور مارك كيلي وهو رائد فضاء سابق وطيار سابق بسلاح البحرية، والسيناتورة إليسا سلوكين التي خدمت في العراق وكانت تنتسب لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، حيث جاء في تصريحاتهم: “اليوم المخاطر على دستورنا لا تأتي فقط من الخارج، بل كذلك من هنا، في بلادنا”.
رد فعل ترامب العنيف
جاء رد ترامب على المشرعين الديمقراطيين عنيفاً، حيث كتب في منشور على منصته “تروث سوشيال”: “هذا الأمر سيئ حقاً وخطير على بلدنا، لا يمكن التسامح مع كلماتهم”، معتبراً أن سلوكهم “يحرض على الفتنة من جانب خونة”.
وفي منشور لاحق، كتب ترامب: “سلوك يحرض على الفتنة عقوبته الإعدام”. كما أعاد الرئيس نشر رسالة لمغرّد حضه على “إعدامهم شنقاً” قائلاً إن أول رئيس للولايات المتحدة جورج واشنطن كان سيفعل ذلك.
التنديد الديمقراطي
الحزب الديمقراطي لم يتأخر في التنديد بتلويح ترامب بإنزال عقوبة الإعدام بحق مشرعيه الستة، حيث علق الحزب في حسابه الرسمي على موقع “إكس”: “لقد دعا ترامب للتو إلى إعدام مسؤولين ديمقراطيين منتخبين”.
كما أدانت أصوات ديمقراطية بارزة تصريحات ترامب، بينها زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الذي قال: “لنكن واضحين تماماً: رئيس الولايات المتحدة يدعو إلى إعدام مسؤولين منتخبين. هذا تهديد صريح”.
واعتبر مشرعون ديمقراطيون أن تعليقات ترامب “ربما تحرض على العنف”، وقال قادة في مجلس النواب إنهم اتصلوا بشرطة مبنى الكابيتول لضمان سلامة النواب الديمقراطيين.
ردود الفعل الرسمية
لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت ردت بالنفي عندما سُئلت عما إذا كان الرئيس يريد إعدام أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس اتهمهم بتحريض الجيش على العصيان، لكنها وجهت انتقادات للديمقراطيين واعتبرت أنهم يشجعون أفراد الجيش على تحدي تسلسل القيادة.
سابقة تاريخية
هذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها ترامب لمعاقبة خصومه السياسيين، فحسبما ذكرت وكالة رويترز، فإن ترامب دافع في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 عن هتافات أنصاره الذين طالبوا بشنق مايك بنس أثناء اقتحامهم مبنى الكابيتول اعتراضاً على إعلان خسارة ترامب للانتخابات أمام بايدن آنذاك.
يذكر أن بنس كان نائباً لترامب في ولايته الرئاسية الأولى، لكنه تعرض لنقمة الرئيس بعدما رفض مسايرته في مساعيه للاعتراض على خسارته أمام بايدن، وبعدما باءت محاولات ترامب وأنصاره لإلغاء نتائج الانتخابات بالفشل، حرض ترامب حشدا من أنصاره على التوجه إلى مقر الكونغرس فاقتحموا المبنى وكان من بين هتافاتهم “اشنقوا مايك بنس”.
خلفية الأزمة السياسية
جاءت هذه الأزمة في أعقاب انتهاء أطول إغلاق حكومي في التاريخ الأمريكي الذي استمر 43 يوماً، ووقّع ترامب قانون تمويل الحكومة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، منهياً بذلك أزمة شلت قطاعات عدة من الاقتصاد الأمريكي.
وكان الإغلاق الحكومي قد تسبب في تعطل خدمات حكومية أمريكية عديدة منذ أكتوبر/تشرين الأول، ووُضع نحو 1.4 مليون موظف فيدرالي في إجازة غير مدفوعة الأجر أو واصلوا العمل دون أجر، كما توقفت المساعدات الغذائية وحدثت اضطرابات في حركة الطيران على مستوى البلاد.
تبدو هذه الأزمة الجديدة امتداداً للاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة، والذي ازدادت حدته منذ عودة ترامب إلى السلطة في ولاية ثانية عبر فوز كبير على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، حيث يشهد المشهد السياسي الأمريكي حالة من الاستقطاب غير المسبوقة.
يذكر أن صحيفة نيويورك تايمز كانت قد حذرت في افتتاحية لها من أن الولايات المتحدة تسلك طريقاً واضحاً نحو التراجع الديمقراطي وفق 12 مؤشراً دولياً في الأنظمة التي تنتقل من الديمقراطية إلى الحكم السلطوي، ورأت أن هذه المؤشرات تنطبق بدرجات متفاوتة على الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب.
تبقى هذه الأزمة أحدث فصل في الصراع السياسي المتصاعد في الولايات المتحدة، الذي يهدد بتعميق الانقسامات في المجتمع الأمريكي وإضعاف الثقة في المؤسسات الديمقراطية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة.

التعليقات مغلقة.