يواجه الصحافيون المغاربة غموضًا كبيرًا بشأن تجديد بطاقاتهم المهنية لعام 2026، في ظل تأخير مستمر في المصادقة على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. وقد كشف يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، أن هذا التأخير هو السبب الرئيسي وراء تعطيل العملية، موضحًا أنه قد يتم اللجوء إلى تمديد صلاحية البطاقات الحالية بشكل مؤقت كحل ترقيعي لحين إقرار القانون الجديد .
ويعكس هذا الوضع أزمة أعمق في قطاع التنظيم الذاتي للمهنة، وسط مطالب متزايدة بتحديث التشريعات لمواكبة التحولات الرقمية وحماية المهنة من الممارسات غير المهنية.
يعيش قطاع الصحافة حالة من الفراغ القانوني، حيث انتهت المدة القانونية للجنة المؤقتة المسيرة دون أن يكون هناك مجلس وطني للصحافة قائم بصلاحيات كاملة. وأوضح مجاهد أن مشروع القانون المنظم للمجلس لا يزال قيد المناقشة في مجلس المستشارين، بعد إحالته من مجلس النواب، وهو ما يجمد أي خطوة رسمية نحو تجديد البطاقات للعام المقبل .
وبحسب تصريحات مجاهد، فقد شهد عدد البطاقات الممنوحة زيادة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من 3181 بطاقة سنة 2020 إلى 4294 بطاقة سنة 2025، بزيادة تقارب الألف بطاقة، معظمها في قطاع الصحافة الإلكترونية .
ولمواجهة هذا الجمود، يلوح في الأفق حل مؤقت وهو تمديد العمل ببطاقات سنة 2025، ريثما يتم تجاوز حالة الجمود التشريعي. ويؤكد مراقبون أن هذا الحل، رغم كونه ظرفيًا، سيحمي الصحافيين الحاليين من العواقب القانونية لممارسة عملهم، لكنه يترك الصحافيين الجدد الذين ينتظرون الحصول على البطاقة لأول مرة في حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن قدرتهم على ممارسة المهنة بشكل قانوني .
أثار موضوع “الأهلية” ومعايير منح صفة “الصحافي المهني” جدلاً واسعًا في الأوساط الإعلامية. وردًا على أسئلة حول الشفافية في عملية منح البطاقات، وصف يونس مجاهد هذه الانتقادات بـ “كلام إشاعات”، داعيًا من يقدم اتهامات محددة بتقديم الأدلة حتى تفتح اللجنة تحقيقًا في الأمر .
وأوضح مجاهد أن عمل لجنة البطاقة، التي يرأسها الصحافي عبد الله البقالي، يتسم بالدقة ويخضع لمراجعة صارمة. وتشمل المعايير التحقق من صحة الدبلومات مع وزارة التعليم العالي، وضبط مطابقة التصريحات مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتأكد من أن المؤسسة طالبة البطاقة تشتغل فعليًا في مجال الإعلام وتستوفي الالتزامات القانونية والضريبية .
وأشار مجاهد إلى أن هذه التدقيقات أسفرت عن تراجع ملحوظ في نسبة “المقاولات الفردية” (المؤسسات التي تتكون من شخص واحد فقط) من حوالي النصف سنة 2022 إلى نحو 30% حاليًا، وهو ما يراه إنجازًا في سبيل تنظيف الجسم الصحافي من الممارسات الهشة .
يتجاوز الإشكال الحالي مجرد تجديد البطاقات، ليطال جوهر تنظيم مهنة تتغير معالمها بسرعة. واعتبر مجاهد أن موضوع الولوج إلى المهنة “ينبغي أن يعالج بشكل مختلف” في ظل التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الحديثة، والتي تخلق إشكالات جديدة تتطلب مراجعة القانون الأساسي للصحافيين المهنيين .
هذا الرأي يلتقي مع رؤية رسمية أعلنها محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، والذي أكد أن رهانات عام 2030 تتطلب تطوير المشهد الإعلامي الوطني، عبر مجلس وطني للصحافة بنص قانوني منظم جديد. وشدد بنسعيد على أن التحدي يتمثل في الجمع بين حرية الصحافة وضرورة التنظيم الذاتي للمهنة، ومواكبة التطور الرقمي وحماية المهنة من الأخبار الزائفة والمحتوى غير المسؤول .
يؤكد واقع الحال أن أزمة التنظيم لا تقتصر على البطاقات، بل تنعكس على آليات المراقبة والمحاسبة داخل المهنة نفسها. فقد كشفت مصادر أن الوكالة المغربية للأنباء (ماب) أصدرت بطاقتها الصحفية المهنية الخاصة خلال جائحة كوفيد-19، باعتبار أن شروط المجلس الوطني للصحافة “غير ملزمة” لصحافيي الخدمة العامة الذين يحكمهم نظام الوظيفة العمومية وقانون الوكالة، في خطوة تعكس وجود إشكالات حقيقية في النموذج الحالي .
وفي الوقت نفسه، تستمر اللجنة المؤقتة في ممارسة بعض صلاحياتها التأديبية. فمؤخرًا، قررت لجنة أخلاقيات المهنة التابعة لها سحب بطاقة الصحافة من مدير نشر صحيفة إلكترونية لمدة سنة، بعدما بثت شريطًا مصورًا يتضمن دعوة صريحة للعنف، معتبرة ذلك خرقًا صريحًا لميثاق أخلاقيات المهنة .
بين ضغط الفراغ القانوني وإلحاح الحاجة لتنظيم قطاع يتعرض لتحديات وجودية، يبدو أن مستقبل الصحافة المغربية رهن بتسريع المسار التشريعي. كما يعلق الأمل على أن يستعيد الجسم الصحافي إطاره القانوني الكامل، لضمان الحقوق المهنية للصحافيين ومواكبة التحولات الجارية في عالم الإعلام.
نقلا عن : هيسبريس

التعليقات مغلقة.