لم يكن حلم كأس العالم يومًا مجرد تسعين دقيقة من المنافسة، ولا كأسًا ترفعها الأيادي، ولا نجمًا يلمع تحت أضواء الملاعب. كان المونديال، عبر تاريخه، احتفالًا إنسانيًا قبل أن يكون حدثًا رياضيًا؛ مساحة يلتقي فيها العالم بلا جوازات رمزية، وتذوب فيها الحدود تحت راية كرة القدم.
الحلم الحقيقي ظل دائمًا في المدرجات، في الجماهير التي تعبر القارات خلف منتخباتها، في الهتافات التي تتجاوز اللغات، وفي الإحساس الجماعي بأن البطولة خُلقت ليكون العالم كله حاضرًا فيها دون استثناء.
غير أن هذا المعنى يبدو اليوم أمام اختبار صعب مع اقتراب كأس العالم 2026، اختبار لا يرتبط بما سيجري داخل المستطيل الأخضر، بل بما قد يحدث خارجه، وتحديدًا على الطريق المؤدي إلى المدرجات.
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي ألمح فيها إلى أن مونديال 2026 “ليس للجميع”، أعادت فتح نقاش واسع حول مستقبل البطولة العالمية، وحدود المشاركة فيها، ومعنى “العالمية” في حدث يفترض أنه الأكثر شمولًا على الإطلاق. فبين قيود السفر، والسياسات الصارمة، والتعقيدات المرتبطة بالدخول إلى الدول المستضيفة، يلوح خطر أن يتحول المونديال إلى بطولة تُشاهد أكثر مما تُعاش.
القلق لا ينبع من كرة القدم نفسها، بل من احتمال تغييب الجماهير التي تشكل روح اللعبة. فالتاريخ علّمنا أن كأس العالم لا تُقاس فقط بعدد الأهداف أو جودة المباريات، بل بعدد القصص الإنسانية في المدرجات، وبعدد الأعلام التي تتجاور رغم اختلاف الألوان والثقافات.
ومع اقتراب 2026، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل سيظل المونديال مساحة جامعة لكل شعوب العالم، أم أنه مهدد بأن يصبح امتيازًا محصورًا لفئات بعينها؟ سؤال يتجاوز الرياضة، ويمس جوهر الفكرة التي جعلت كأس العالم أعظم حدث كروي على وجه الأرض.
في انتظار الإجابة، يبقى الأمل معقودًا على أن تنتصر روح كرة القدم، وأن تبقى المدرجات مفتوحة لكل من حمل حلمًا، وصوتًا، وشغفًا، وجاء ليكون جزءًا من قصة عالمية لا تكتمل إلا بالجميع.

التعليقات مغلقة.