دخلت مهنة المحاماة بالمغرب مرحلة غير مسبوقة من التوتر، عقب إعلان هيئات المحامين عن خوض تصعيد مهني مفتوح، يتمثل في توقف شامل ودائم عن تقديم الخدمات المهنية ابتداءً من 26 يناير 2026، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر في تاريخ المهنة منذ الاستقلال.
ويأتي هذا القرار في سياق احتقان متصاعد، يعكس حجم القلق الذي يسود أوساط المحامين إزاء مسار تشريعي تعتبره الهيئات المهنية مهدِّدًا لاستقلال المهنة وضامنات المحاكمة العادلة، رغم أن مشروع القانون المثير للجدل لم يُعرض بعد على البرلمان، ولم يخضع للنقاش المؤسساتي المعتاد.
وترى الهيئات الممثلة للمحامين أن ما يُحضَّر في الكواليس يتجاوز منطق الإصلاح إلى منطق “الفرض”، ويستهدف إحدى المهن الدستورية التي تشكل ركيزة أساسية في منظومة العدالة، إلى جانب القضاء والنيابة العامة. وهو ما اعتبرته مساسًا مباشرًا بالتوازن الدستوري، وبمبدأ استقلال الدفاع باعتباره حقًا للمواطن قبل أن يكون امتيازًا للمحامي.
ويحمل هذا التصعيد دلالات قوية، ليس فقط من حيث شكله غير المسبوق، بل من حيث توقيته أيضًا، إذ يأتي في لحظة دقيقة تعرف فيها منظومة العدالة نقاشًا وطنيًا واسعًا حول الإصلاح، والنجاعة القضائية، وضمان الحقوق والحريات. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مآلات هذا الصراع، وانعكاساته المحتملة على السير العادي للمحاكم، وعلى حق المتقاضين في الولوج إلى العدالة.
وفي مقابل هذا التصعيد، تطالب هيئات المحامين بفتح حوار جاد ومسؤول، قائم على الشفافية والإشراك الحقيقي، بدل منطق الأمر الواقع. كما تؤكد أن الدفاع عن المهنة هو في جوهره دفاع عن دولة القانون، وعن حق المواطن في محاكمة عادلة، وفي دفاع مستقل وفعّال.
وبين منطق الإصلاح الذي ترفعه الجهات الرسمية، ومنطق التحصين الذي يتشبث به المحامون، يقف المشهد القضائي المغربي أمام منعطف حاسم، ستكون له تداعيات عميقة على الثقة في العدالة، وعلى مستقبل واحدة من أعرق المهن القانونية في البلاد.

التعليقات مغلقة.