أعلنت الحكومة عن إحالة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة إلى البرلمان بصيغته الأصلية، كما صادق عليه المجلس الحكومي. هذه الخطوة لم تقتصر على إثارة التساؤلات حول مضمون القانون، بل أثارت أيضًا علامات استفهام كبيرة حول المنهجية التي سارت بها المسألة منذ بدايتها.
وكانت الساحة المهنية قد عاشت فترة من الحوار المتوتر، انتهى إلى ما قُدم على أنه توافق داخل لجنة مشتركة، قبل أن يفاجأ المحامون بأن هذا التوافق لم يتم إدراجه ضمن النص المحال إلى البرلمان، بل أُرجئ إلى مرحلة التعديل البرلماني. وهذا يثير السؤال الجوهري: ما قيمة التوافق إذا لم يترجم إلى مقتضيات قانونية ملزمة منذ البداية؟ وأي معنى للحوار إذا كان مصيره مجرد مقترحات قد تُقبل أو تُرفض وفق حسابات الأغلبية داخل البرلمان؟
الإصرار الذي يبديه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على تمرير القانون قبل نهاية الولاية التشريعية، يزيد من المخاوف. في ظل لحظة سياسية حساسة، كان الأجدر أن يُبنى القانون على أرضية توافق صلبة، بدل الضغط على إقراره في سياق زمني ضيق قد يحوله إلى مصدر توتر دائم داخل الجسم المهني.
ويبدو أن المخاطر الحقيقية تكمن في الاعتماد على إدخال التعديلات في لجنة العدل والتشريع، حيث تبقى تلك التعديلات رهينة ميزان القوى داخل البرلمان. الحكومة التي صادقت على النص الأصلي تمتلك أغلبية قادرة على تمريره كما هو، أو على الأقل إفراغ التعديلات من مضمونها، مما يضع المحامين أمام تحدي الحفاظ على ما تم الاتفاق عليه سابقاً.
المفارقة أن الخطاب الذي كان يُرفع في مواجهة احتجاجات المحامين – باعتبار البرلمان الفضاء الطبيعي للنقاش الديمقراطي – قد يتحول اليوم إلى أداة لتمرير النص الأصلي، باسم نفس الديمقراطية. فالأغلبية العددية قد تمنح شرعية لما لم يحظَ بقبول مهني واسع، ما يفتح الباب أمام إشكال التوازن بين الشرعية التمثيلية والشرعية التوافقية.
لقد أدى الحوار السابق إلى تعليق الإضرابات التي شلت مرفق العدالة، بناءً على وعود بإدماج التعديلات المتوافق عليها، لكن الآن قد تُختبر تلك التعديلات في بيئة سياسية مختلفة، تتحكم فيها حسابات الأغلبية والمعارضة أكثر من منطق التوافق المهني.
مهنة المحاماة ليست مجرد قطاع يُدار بمنطق الغلبة العددية، بل هي ركيزة أساسية لتحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات. وأي قانون ينظمها دون توافق حقيقي قد يحمل بذور أزمة مستقبلية أكبر.
اليوم، يظل الرهان ليس فقط على مضمون النص، بل على وعي الجسم المهني بأهمية اليقظة والمتابعة. فتمرير التعديلات عبر البرلمان دون ضمانات قوية قد يحولها إلى مجرد واجهة تفاوضية تُستخدم لامتصاص الاحتقان، قبل إسقاطها عند التصويت.

التعليقات مغلقة.