أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

BP تعيد ترتيب أولوياتها الاستثمارية.. النفط والغاز في صدارة استراتيجيتها المقبلة

أكدت ميغ أونيل، الرئيسة التنفيذية لشركة الطاقة البريطانية «BP»، أن النفط والغاز سيظلان في صدارة أولويات الشركة الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة، مشددة على أن القرارات المتعلقة بالاستثمارات منخفضة الكربون ستظل مرتبطة بمدى جدواها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق عوائد مجزية للمساهمين.

وجاءت تصريحات أونيل خلال مقابلة مع «سكاي نيوز عربية»، على هامش مشاركتها في مؤتمر ومعرض أبوظبي الدولي للبترول «أديبك 2026»، حيث استعرضت توجهات الشركة المستقبلية، وتقييمها لتطورات أسواق الطاقة العالمية، وأهمية الشراكات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد التحديات المرتبطة بإمدادات الطاقة.

مرونة منظومة الطاقة العالمية في مواجهة الأزمات

اعتبرت أونيل أن «المرونة» تشكل أبرز سمة ميزت أسواق الطاقة خلال الفترة الماضية، موضحة أن الأشهر الثمانية الأخيرة كشفت قدرة منظومة الطاقة العالمية على التكيف مع المتغيرات، وإعادة توجيه المنتجات والسلع الطاقية بما يضمن تلبية احتياجات الأسواق المختلفة.

وأشارت إلى أن قدرة النظام العالمي على التعامل مع الاضطرابات وإعادة توزيع الإمدادات تمثل أحد أبرز المؤشرات على تطور قطاع الطاقة، خصوصاً في ظل التحديات الجيوسياسية والتغيرات المستمرة في معادلات العرض والطلب.

أبوظبي شريك استراتيجي في تطوير موارد الطاقة

وفي حديثها عن أهمية دولة الإمارات ضمن استراتيجية «BP»، وصفت الرئيسة التنفيذية أبوظبي بأنها منطقة محورية بالنسبة للشركة، التي يعود حضورها في المنطقة إلى المراحل الأولى لتطور صناعة الطاقة.وأعربت عن اعتزازها بالشراكة القائمة مع شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، مؤكدة أن الموارد الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، من النفط الخام والغاز الطبيعي والمنتجات المشتقة، تؤدي دوراً أساسياً في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة عالمياً.وأضافت أن الإمدادات القادمة من أبوظبي تسهم في تلبية احتياجات الأسواق الدولية، والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، مشددة على أهمية تطوير هذه الموارد بكفاءة عالية من خلال التعاون بين «BP» و«أدنوك».                                                          وتطرقت أونيل إلى اتفاقية حقل «باب»، موضحة أن الشركة راكمت تجربة طويلة في العمل مع عمليات «أدنوك البرية»، وأن مشاركتها في تطوير هذا الحقل ترتبط أيضاً بغطاء الغاز المتصل بأحد الحقول النفطية التي تعمل على تطويرها.

في الاعتبار مختلف مكونات المكمن، بما يسمح بتحقيق أفضل مردودية ممكنة من الموارد المتاحة.

واعتبرت أن دخول «BP» بشكل أكبر في قطاع الغاز يمثل مرحلة جديدة في مسار التعاون مع الإمارات، ومن شأنه أن يحقق نتائج إيجابية على مستوى تطوير الحقول وتعزيز الاستفادة من الموارد الطبيعية.

الشرق الأوسط وجهة رئيسية للاستثمارات طويلة الأمد

وبخصوص استمرار الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط رغم التوترات الجيوسياسية، أكدت أونيل أن المنطقة تمثل جزءاً أساسياً من تاريخ الشركة ومسار تطورها في صناعة الطاقة، مشيرة إلى أن حضور «BP» في عدد من دول المنطقة يمتد لأكثر من قرن.

وأبرزت الإمكانات الكبيرة التي توفرها المنطقة، إلى جانب أهمية الشراكات طويلة الأمد والخبرة المتراكمة والعلاقات الاستراتيجية التي تربط الشركة بدول من بينها الإمارات وعُمان والعراق ومصر.

وأوضحت أن هذه المقومات تمنح «BP» قاعدة مهمة لمواصلة الاستثمار وتطوير أنشطتها، غير أن اتخاذ القرارات الاستثمارية يظل خاضعاً لمجموعة من المعايير، تشمل حجم الموارد المتاحة، وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة للمساهمين، ومستوى المخاطر المرتبطة بالمشاريع.

وأضافت أن تقييم الاستثمارات يأخذ بعين الاعتبار المخاطر الأمنية ومخاطر السلامة والجوانب المالية، مؤكدة أن الشرق الأوسط يظل منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للشركة بالنظر إلى مجموع هذه العوامل.

تقلبات أسعار النفط.. التركيز على كفاءة العمليات

وفي ما يتعلق بتأثير التطورات الجيوسياسية على الاستثمارات وتوقعات أسعار النفط خلال العام المقبل، أوضحت أونيل أن قطاع النفط اعتاد التعامل مع التوترات الدولية والصراعات منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل، ما جعل متابعة التحولات السياسية والأمنية جزءاً أساسياً من آليات اتخاذ القرار داخل الشركة.

وأقرت بصعوبة التنبؤ بمسار أسعار النفط، مشيرة إلى وجود سيناريوهات مختلفة قد تدفع سعر البرميل إلى حدود 150 دولاراً، مقابل احتمالات أخرى قد تؤدي إلى تراجعه نحو 50 دولاراً.

وشددت على أن «BP» لا تستطيع التحكم في أسعار النفط العالمية، لكنها قادرة على التحكم في طريقة إدارة عملياتها، من خلال ضمان سلامة المنشآت، وموثوقية الإنتاج، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وضبط التكاليف، والحفاظ على المرونة المالية مهما كانت مستويات الأسعار.

وأكدت أن الهدف يتمثل في ضمان استمرار قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المساهمين والدول التي تستثمر فيها، حتى في ظل التقلبات الحادة التي قد تشهدها الأسواق.

وفي هذا السياق، سلطت أونيل الضوء على أهمية نموذج الأعمال المتكامل الذي تعتمده «BP»، والقائم على الجمع بين أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتوزيع والتجارة في منتجات الطاقة.

وأوضحت أن أنشطة التداول تمثل عنصراً أساسياً في هذا النموذج، إذ تتيح للشركة توجيه المنتجات التي تستخرجها وتعالجها عبر منظومتها الصناعية إلى الأسواق والعملاء المناسبين، بما يحقق أفضل قيمة اقتصادية للمساهمين.

واعتبرت أن النتائج المالية للربع الثالث أظهرت قدرة هذا النموذج المتكامل على تحقيق عوائد قوية، حتى في ظل تقلبات الأسعار والظروف غير المستقرة التي تعرفها أسواق الطاقة.

خمس أولويات لإعادة ضبط المسار الاستراتيجي

وعلى مستوى التدبير الداخلي، كشفت الرئيسة التنفيذية لـ«BP» عن خمس أولويات رئيسية تعمل الشركة على تنفيذها خلال المرحلة الحالية، بهدف تعزيز أدائها المالي والتشغيلي وترسيخ أسس نموها المستقبلي.

وتأتي تقوية الميزانية العمومية في مقدمة هذه الأولويات، حيث أكدت أونيل إحراز تقدم في هذا المجال، مع الإقرار بضرورة مواصلة الجهود لتعزيز الوضع المالي للشركة.

وتتمثل الأولوية الثانية في مراجعة محفظة الاستثمارات، بما يضمن امتلاك أصول ومشاريع قادرة على دعم المرونة المالية وتحقيق أداء مستدام على المدى الطويل.

أما الأولويات الثلاث الأخرى، فتتعلق بالانضباط في تخصيص رأس المال، وتحسين الفاعلية التشغيلية، وتعزيز الثقافة المؤسسية داخل الشركة.

وأكدت أونيل أن هذه المحاور تشكل مجتمعة الأساس الذي تستند إليه المرحلة الجديدة من استراتيجية «BP»، مشيرة إلى أن الشركة حققت تقدماً في تنفيذها، لكنها لا تزال بحاجة إلى مواصلة العمل لتحقيق الأهداف المحددة.

وأعلنت أن الشركة تعتزم الكشف، في 15 دجنبر المقبل، عن مرحلة جديدة من استراتيجيتها، تتضمن توضيحات بشأن إطارها المالي، خاصة في ضوء التقدم المحرز في خفض المديونية وتعزيز قدرتها على مواجهة سيناريوهات انخفاض أسعار النفط.

كما سيشمل الإعلان المرتقب عرض ملامح محفظة الاستثمارات، وتأكيد أهمية نموذج الأعمال المتكامل الذي يجمع بين الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتداول.

وأوضحت أن الهدف من هذه الخطوة ليس تقديم مفاجآت للسوق، بل وضع أهداف واضحة وقابلة للتقييم، تسمح للمستثمرين بمتابعة مستوى تقدم الشركة ومدى التزامها بتنفيذ توجهاتها الاستراتيجية.

النفط والغاز في المقدمة والاستثمارات منخفضة الكربون وفق الجدوى الاقتصادية

وفي ما يتعلق بالتوجهات الاستثمارية المستقبلية، حسمت أونيل موقف الشركة بالتأكيد على أن النفط والغاز سيحتفظان بمكانتهما في صدارة أولويات «BP»، رغم استمرار الالتزام بأهداف الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.

وأكدت أن الشركة لن تتخلى عن أهدافها المتعلقة بخفض الانبعاثات الناتجة عن عملياتها المباشرة واستهلاك الطاقة المرتبط بها، والمعروفة بانبعاثات النطاقين الأول والثاني (Scope 1 & 2)، بحلول عام 2030.

غير أنها شددت على أن الاستثمارات في مصادر الطاقة منخفضة الكربون ستخضع لمعايير الجدوى التجارية والقدرة على تحقيق عوائد اقتصادية مناسبة.

واستشهدت في هذا الإطار بمشاريع الهيدروجين منخفض الكربون في أوروبا، حيث تفرض بعض الأنظمة ضريبة على انبعاثات الكربون، ما يجعل اعتماد تقنيات الهيدروجين خياراً اقتصادياً بالنسبة للمصافي والشركات المعنية.

وأوضحت أن هذا النوع من المشاريع يتيح فرصاً استثمارية قابلة للتطوير، مؤكدة استمرار الشركة في دراسة هذه المبادرات، شريطة أن تكون القرارات الاستثمارية متوافقة مع مصالح المساهمين.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل قطاع الطاقة

وتطرقت أونيل أيضاً إلى التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي على صناعة الطاقة، سواء من حيث ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء أو من خلال توظيف التقنيات الذكية في تحسين العمليات الصناعية.

وأوضحت أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يفرض على شركات الطاقة إعادة تقييم توقعاتها بشأن حجم الطلب العالمي خلال العقود المقبلة، خصوصاً في أفق سنوات 2030 و2040 و2050، مع تحديد مصادر الطاقة القادرة على تلبية الاحتياجات المستقبلية.

وعلى مستوى العمليات الداخلية، حددت الشركة مجالين رئيسيين للاستفادة من هذه التكنولوجيا.

ويتعلق المجال الأول باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل باطن الأرض وعمليات الاستكشاف، بما يساعد على تحسين تحديد المكامن النفطية، وتطوير عمليات الاستخراج، ورفع معدلات الاستفادة من الموارد المتاحة.

أما المجال الثاني، فيرتبط بما يعرف بالذكاء الاصطناعي التشغيلي أو الفيزيائي (Physical AI)، من خلال توظيف الأنظمة الذكية في المنشآت الصناعية بهدف زيادة الإنتاج، وتحسين موثوقية المعدات، والحد من الأعطال، وتقليص التكاليف التشغيلية.

وتراهن «BP» على هذه التقنيات لتعزيز كفاءة عملياتها ومواكبة التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة، في ظل تزايد أهمية الابتكار والتحول الرقمي في تطوير الصناعات النفطية والغازية.

سلامة الموظفين أولوية لا تقبل المساومة

وفي ختام حديثها، شددت ميغ أونيل على أن سلامة العاملين وحمايتهم تظل في مقدمة مسؤولياتها على رأس الشركة، مؤكدة أن توفير أنظمة فعالة للصحة والسلامة المهنية يمثل أولوية أساسية في مختلف أنشطة «BP».

وأعربت عن ثقتها في قدرة فرق العمل والمؤسسة على التعامل مع التحديات وتقلبات الأسواق، لكنها أكدت أن حماية الموظفين وضمان سلامتهم يظلان الاعتبار الأول الذي لا يمكن التنازل عنه.

وتعكس تصريحات الرئيسة التنفيذية لـ«BP» توجهاً نحو إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية للشركة، من خلال تعزيز مكانة النفط والغاز، وتقوية الوضع المالي، وتحسين كفاءة العمليات، مع مواصلة الاستثمار الانتقائي في التقنيات منخفضة الكربون والذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا التوجه في مرحلة تتسم بتعقيد معادلات الطاقة العالمية، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية، ما يجعل القدرة على التكيف وإدارة المخاطر عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الشركات الكبرى داخل القطاع.

التعليقات مغلقة.