مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، بدأت تتشكل ملامح معركة سياسية حادة بين الأحزاب المتنافسة على قيادة حكومة “المونديال”، حيث يبدو أن المجالس المنتخبة ستكون الساحة الأولى لهذه المواجهة، من خلال حرب تسريبات متبادلة ومحاولات لتشويه الخصوم عبر ملفات الصفقات والخروقات التي طفت إلى السطح في عدد من الجماعات الترابية. هذا التتصعيد المبكر يعكس وفق المراقبين بداية صراع انتخابي يسعى فيه كل طرف إلى استغلال كل الوسائل الممكنة، المشروعة وغير المشروعة، لتقوية موقعه السياسي استعدادا للمرحلة المقبلة.
يرى باحتون يؤكدون ، أن هشاشة التحالفات داخل المجالس الترابية تعد أحد الأسباب الجوهرية لتفجر الخلافات، مشيرا إلى أن هذه النزاعات غالبا ما تكون على حساب التنمية المحلية وتعطل مصالح الساكنة. واعتبر أن بعض المنتخبين يفتقرون إلى الكفاءة والتأهيل، ما يؤدي إلى سلوكيات غير مسؤولة تضر بصورة العمل السياسي، مبرزا أن تعطيل المشاريع أو خلق الأزمات داخل المجالس بدافع انتخابي يعد “جريمة في حق التنمية”.
هذه الظاهرة ليست جديدة في الحياة السياسية العربية، حيث تشير دراسات عديدة إلى تأثير الصورة الذهنية للأحزاب في المشاركة الانتخابية، كما توضح بحث حول “صورة الاحزاب السياسية العراقية لدى الجمهور وعلاقتها بمشاركة الجمهور في الانتخابات التشريعية” الذي أجراه فارس اسماعيل فارس، حيث بين كيف تشكل وسائل الإعلام الصورة الذهنية للجمهور عن الأحزاب والكتل السياسية وتؤثر على سلوك الناخبين في الانتخابات .
من جانبه، سجل المحلل السياسي عبد الله أبو عوض أن جزءا من المنتخبين حولوا العمل السياسي إلى فضاء للمكايدات وتصفية الحسابات، بدل تقديم برامج تنموية تخدم المواطنين. وأعرب عن أسفه لانتشار “السياسة الافتراضية” التي تُمارس عبر وسائل التواصل لتشويه الخصوم، محذرا من تأثيرها السلبي على صورة المغرب في الداخل والخارج.
هذه الممارسات تعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية، حيث يطغى الصراع على المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة، وهي ظاهرة يمكن تتبع جذورها التاريخية في تجارب عربية مختلفة، كما يوثق كتاب “صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية” للباحث عبد الله حنا، الذي يرصد تطور الحياة الحزبية والتحولات في الممارسة السياسية .
دعوات الإصلاح وتخليق الحياة السياسية
في مواجهة هذه التحديات، تدعو الأصوات الإصلاحية إلى مراجعة شاملة للنظام الانتخابي وتطهير الحياة السياسية من البروفايلات التي تسيء إلى الممارسة الديمقراطية. ويرى المراقبون أن الخطاب الملكي الأخير دعا بوضوح إلى تخليق الحياة السياسية وتحريرها من المصالح الضيقة، مؤكدا أن انتخابات 2026 يجب أن تكون محطة لمساءلة الأحزاب عن جودة مرشحيها ومدى التزامهم بخدمة الصالح العام، لا بتغذية الصراعات الهامشية.
تجربة البلدان العربية الأخرى تقدم دروسا مهمة في هذا المجال، فكما ظهر في اللقاء الثالث للأحزاب السياسية والنشطاء السياسيين الليبيين الذي عقد برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حيث أكد المشاركون على رفضهم القاطع لاستخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية، وأقروا بالحاجة الملحة لجعل استخدام القوة حكراً على الدولة لإحلال الاستقرار والأمن .
تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة اختبارا حقيقيا لنضج التجربة الديمقراطية في المغرب، وقدرة الأحزاب السياسية على تجاوز ممارسات الماضي والارتقاء بالعمل السياسي لخدمة المصلحة العامة. السباق نحو 2026 لا يزال في بدايته، لكن المؤشرات المبكرة تنذر بمعركة شرسة قد تطغى فيها تكتيكات الإقصاء والتشويه على البرامج والمشاريع التنموية.
المشهد السياسي المغربي على موعد مع مرحلة حاسمة، حيث ستحدد طريقة إدارة هذه المعركة الانتخابية ملامح الحياة السياسية للسنوات المقبلة، وما إذا كانت ستؤدي إلى ترسيخ الديمقراطية أم إلى مزيد من الإحباط المجتمعي.

التعليقات مغلقة.