بقلم: محمد عيدني فاس
في فلسطين، لا تُعدّ شجرة الزيتون مجرّد نباتٍ مثمر، بل هي مرآة التاريخ ومفتاح الهوية. جذورها مغروسة في التراب منذ آلاف السنين، وساقها يواجه العواصف بصبرٍ يُشبه صبر الفلسطينيين على أرضهم. من لا يعرف الزيتون في فلسطين، لا يعرف سرّ العلاقة بين الأرض والإنسان.
في موسم القطاف، تتحوّل القرى إلى ورشة جماعية من الفرح والكَدّ، تختلط فيها الأغاني القديمة بصفير الريح بين أغصان الزيتون. الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، يصعدون التلال حاملين السلال، يقطفون بيدٍ ويحمون الأرض بالأخرى. فالموسم ليس مجرد رزقٍ سنوي، بل طقسٌ من طقوس البقاء.
لكن هذا الموسم الذي كان عنواناً للخير والبركة، صار في كثير من المناطق عنواناً للخوف والتحدّي. المستوطنون لا يكتفون بسرقة الأرض، بل يقطعون أشجارها أيضاً، وكأنهم يريدون اجتثاث الذاكرة ذاتها. فبحسب تقارير “هيئة مقاومة الجدار”، أكثر من عشرة آلاف شجرة زيتون أُحرقت أو اقتُلعت خلال عامٍ واحد في الضفة الغربية. ومع كل شجرة تُقتل، يفقد الفلسطيني جزءاً من تاريخه ومصدر رزقه وأمله.
ومع ذلك، لا يتوقّف الفلسطيني عن العودة إلى حقله. يحمل معوله وسلاله وكأنه يذهب إلى معركة شرف. فكل زيتونة باقية على قيد الحياة، شهادة على أن الجذور أقوى من البنادق، وأن العناد أحياناً أجدى من الخطابات.
في الموروث الشعبي، يقال: “القمح والزيت أسَدان في البيت”، لأن من يملكهما يملك الأمان. لهذا يُدرك الفلسطيني أن الزيتون ليس مجرد شجرة، بل هو حصن صغير في معركة الوجود اليومي. حتى أمثال الناس وأغانيهم تتغنّى به — فهو الرمز والغذاء والدواء، وهو أيضاً الشاهد على الدم والدموع.
ولأن الزيتون جزء من وجدانهم، غدا حاضراً في شعرهم وغنائهم. تغنّى به وديع الصافي وصباح، وغنّت له فيروز، واستلهمه الزجّال الفلسطيني في أبياته كرمزٍ للصمود والأمل. فحين يشتدّ الشتاء، يقول للفلاح: “اثبت، فكلّ موسم قاسٍ يعقبه ربيع”.
اليوم، ومع تصاعد الاعتداءات على الأراضي الفلسطينية، يتحوّل موسم الزيتون من مناسبةٍ للفلاحين إلى فعل مقاومةٍ صامتة. يقطف الفلسطيني زيتونه وكأنه يكتب قصيدة بيده، ويعصر ثمره كما يُعصر الألم في صدره، ليُخرج منه زيتاً نقياً يضيء ظلام الواقع.
وهكذا، تبقى شجرة الزيتون الفلسطينية، رغم كل ما تواجهه، عنواناً للحياة في أرضٍ تتحدّى الموت كل يوم. جذورها في التراب ووجهها نحو السماء، تشهد أن هذا الشعب، مهما طال الزمن، لا يمكن أن يُقتلع.

التعليقات مغلقة.