أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“الجرار” في مهب الريح حيث ترحال القيادات يهدد مكانة حزب الأصالة والمعاصرة

بقلم: فاتن

يعيش حزب الأصالة والمعاصرة، المعروف إعلامياً بـ”حزب الجرار”، واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ تأسيسه، حيث يجد نفسه اليوم أمام موجة ترحال داخلي وفقدان ثقة، خصوصاً في معاقله التاريخية بالريف التي كانت تشكل خزاناً سياسياً وبشرياً للحزب منذ نشأته.

فبعد أن قُدّم في سنواته الأولى كقوة سياسية منظمة قادرة على كسر الاصطفافات التقليدية وصناعة توازن جديد في المشهد السياسي المغربي، ها هو اليوم يواجه انتقادات حادة من داخل بيته، بعد تحوله إلى مكون دائم في تحالفات السلطة وتراجعه عن كثير من شعاراته التأسيسية، مما جعل جزءاً من قياداته وقواعده يشعر بأن الحزب فقد بوصلته وأصبح مكملاً للأرقام داخل الأغلبية دون تأثير نوعي يوازي طموحاته الأولى.

وفي هذا السياق، شكلت عودة محمد بودرا، الذي راكم تجربة تدبيرية مهمة على رأس جماعة الحسيمة، إلى حزب التقدم والاشتراكية صدمة داخل البيت “التروشي”، حيث لم تكن هذه العودة مجرد خيار شخصي، بل قرئت كمؤشر على أزمة أعمق تعصف بالحزب، خاصة في جهة الريف التي كانت تعد معقله الصلب، وقبل بودرا، غادرت الحزب شخصيات بارزة مثل إلياس العماري وحكيم بنشماش، في سياقات كشفت حجم الصراع الداخلي وتعدد مراكز القرار، وعكست صراعاً حقيقياً حول هوية الحزب وخطه السياسي.

ويتهم منتقدون اليوم الحزب بأنه فقد روحه المبادرة، حيث بات في محطات كثيرة تابعاً أكثر منه قائداً داخل التحالف الحكومي، وهو ما يهدد مكانته السياسية، ففي السياسة من يفقد زمام المبادرة يفقد تدريجياً تأثيره، حتى وإن احتفظ بعدد محترم من المقاعد البرلمانية.

أما على مستوى القواعد، فقد تحول الريف الذي كان يشكل خزاناً سياسياً وبشرياً للحزب إلى مسرح لأبرز مؤشرات التصدع، حيث يعبر قياديون محسوبون على المنطقة، بشكل مباشر أو ضمني، عن استيائهم من المسار الذي اتخذه الحزب، معتبرين أنه زاغ عن مبادئه وابتعد عن قضاياه الاجتماعية والتنموية، واكتفى بالتموقع داخل السلطة دون مبادرة سياسية حقيقية.

الخطورة التي تهدد الحزب اليوم لا تكمن فقط في الاستقالات الفردية، بل في ترسخ شعور لدى بعض القيادات بأن الحزب لم يعد فضاءً طبيعياً للتأثير أو التقدم، وإذا استمر هذا الإحساس، فإن موجة الترحال قد تتوسع، خاصة مع اقتراب أي استحقاقات انتخابية جديدة، خصوصاً وأن التجارب السياسية تظهر أن الأحزاب التي تصعد بسرعة بدعم قوي وتحالفات واسعة قد تتعرض لاهتزاز مماثل في حال غياب التجديد الداخلي والانسجام التنظيمي.

ويقف “الجرار” اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، فإما أن يعيد تعريف موقعه وهويته ويسترجع ثقة قواعده التاريخية، خصوصاً في الريف، أو يكتفي بدور ثانوي في مشهد سياسي متغير، فالسياسة لا تعترف بالماضي وحده، بل تقيس الحاضر بميزان الفعالية والمصداقية، ومن دون مراجعة عميقة قد يجد الحزب نفسه أمام واقع يختزل مساره من مشروع طموح إلى مجرد رقم في معادلة لا يصنع تفاصيلها.

التعليقات مغلقة.