أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

سوق القطانين في فاس حكاية تاريخ وحرف تتحدى الزمن

جريدة أصوات-الرباط

أصوات-الرباط

يحتفظ سوق القطانين بمدينة فاس، أحد أقدم وأشهر أسواقها، ببريقه الخاص رغم مرور الزمن وتغير ملامحه. فبينما يظل اسمه شاهدًا على حقبة ذهبية ازدهرت فيها صناعة الغزل والنسيج، والتي جعلت فاس قطبًا اقتصاديًا مهمًا في العالم الإسلامي، يحكي السوق اليوم قصصًا عن التجارة، والعلم، بل وحتى الأساطير الشعبية التي شكلت هويته.

من قطب للنسيج إلى مركز تجاري متنوع:

كان سوق القطانين في القرون الوسطى، وتحديدًا في القرنين الثالث والرابع عشر الميلادي، مركزًا حيويًا لتصدير الأقمشة والملابس إلى أسواق إفريقيا والشرق وجنوب أوروبا. وكانت فاس آنذاك تزخر بورش النسيج والغزل والطرز، وتنتشر فيها دور تربية دودة القز لإنتاج الحرير.

استمرت هيمنة فاس على هذه الصناعة حتى نهاية القرن السابع عشر، حيث بدأت المنسوجات الأوروبية تغزو الأسواق العالمية. ورغم هذا التحول، ظل سوق القطانين وجهة رئيسية لتجارة القطن والأقمشة حتى منتصف القرن التاسع عشر، ليتحول تدريجيًا إلى بوابة تجارية رئيسية تحتضن فروعًا لأبناك دولية وأول صيدلية أوروبية في المدينة القديمة، بالإضافة إلى محلات بيع الطربوش الفاسي والبلاغي.

تاريخ مظلم في “سوق الغزل”:

على مقربة من سوق القطانين، يقع “سوق الغزل”، الذي يحمل ذكرى أخرى غير تجارة النسيج. ففي هذا المكان، كانت تجارة الرقيق نشطة حتى منعها الاحتلال الفرنسي عام 1923. فقد كان سوق الغزل يضم “فندق البركة”، حيث كان يتم احتجاز العبيد والإماء القادمين من إفريقيا أو الذين يتم اختطافهم من مناطق الجنوب. وتُباع هذه الفئة من البشر في مزاد علني، في ممارسة كانت شائعة في المدن الكبرى مثل مراكش والرباط.

واليوم، تم ترميم “فندق البركة” ليتحول إلى معلم ثقافي مفتوح للزوار، بينما تُعد البناية المجاورة له لتصبح متحفًا للنقود والعملات القديمة، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذا الجزء من تاريخ المدينة.

أساطير وأولياء في ذاكرة السوق:

لا يقتصر إشعاع سوق القطانين على التجارة والتاريخ فقط، بل يمتد إلى الثقافة الشعبية والأساطير التي نسجتها الذاكرة الفاسية حوله. ففي الجهة الشمالية الغربية للسوق، يقع “حمام بن عباد” التاريخي، الذي يعود للقرن الرابع عشر. يحمل هذا الحمام اسم الفقيه الصوفي محمد بن عباد النفزي الرندي، الذي عاش في فاس ودرس بجامع القرويين.

ارتبط الحمام بالعديد من المعتقدات الشعبية، منها أن مياهه تمتلك قدرة على شفاء الأمراض الجلدية، لاعتقاد سائد بأنها تتصل بمياه عين مولاي يعقوب الكبريتية. كما نسجت حول شخصية ابن عباد حكايات وأساطير، مثل رواية أنه كان خطيبًا بالجامع لمدة ستين عامًا، وأنه ترك بعد وفاته مالًا كثيرًا أوصى ببناء الحمام به.

كما يحتضن السوق زقاقًا يُعرف باسم “زقاق البغل”، والذي ترتبط تسميته بقصة شعبية عن شاعر الملحون الشهير عبد العزيز المغراوي. تحكي القصة أن المغراوي، الذي كان يعتبر من الأولياء الصالحين، قام بجر بغل نافق عبر هذا الزقاق، مما تسبب في انهيار الدور والمحلات، فاعترف الناس بمكانته، وأطلقوا على الزقاق اسمه.

لا يزال سوق القطانين يحافظ على حيويته، حيث يواصل فنانو الخياطة صناعة القفاطين والجلاليب التي اشتهرت بها المدينة، ليظل السوق شاهدًا على ماض عريق وحاضر نابض بالحياة.

التعليقات مغلقة.