شهدت العاصمة التركية أنقرة لحظة سياسية وعسكرية لافتة، مع وقوف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للإعلان عن صفقة دفاعية وُصفت بالاستثنائية. وبموجب الاتفاق، ستحصل تركيا على 20 طائرة مقاتلة من طراز «يوروفايتر تايفون» بقيمة 8 مليارات جنيه إسترليني، ضمن خطة أوسع لاقتناء 40 طائرة، في ما يشكّل تحولًا جذريًا في المقاربة الأوروبية تجاه أنقرة.
لم يكن التوقيع حدثًا بروتوكوليًا عابرًا. فقد وصل ستارمر إلى أنقرة برفقة وزير دفاعه جون هيلي وقائد القوات الجوية البريطانية، بينما حلّقت ثلاث طائرات «تايفون» تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني فوق العاصمة التركية، في رسالة رمزية واضحة حول ثقل الاتفاق وأبعاده الإستراتيجية.
انتصار سياسي لأنقرة
بالنسبة لتركيا، تمثل الصفقة اختراقًا سياسيًا بعد أكثر من عامين من المفاوضات الشاقة، التي تعطلت طويلًا بسبب اعتراضات ألمانية داخل تحالف «يوروفايتر». أما بالنسبة لأوروبا، فهي تعكس اعترافًا عمليًا بأن دور تركيا العسكري والجغرافي والجيوسياسي لم يعد ممكنًا تجاهله، بصرف النظر عن الخلافات السياسية التي طبعت العلاقة بين الطرفين في السنوات الماضية.
تأتي الصفقة في سياق تحول أوسع في الخطاب الأوروبي تجاه أنقرة. ففي عام 2021، أصدر البرلمان الأوروبي تقريرًا شديد اللهجة اتهم تركيا بالابتعاد عن «القيم والمعايير الأوروبية»، واعتبر العلاقات بين الجانبين في أدنى مستوياتها تاريخيًا. غير أن هذا النهج بدأ يتغير تدريجيًا.
في يونيو/حزيران 2023، صدر تقرير برلماني أوروبي بلغة مختلفة تمامًا، خلص إلى أن الاتحاد الأوروبي «لديه مصلحة كبيرة في تقوية علاقته مع تركيا»، ودعا إلى استئناف الحوارات رفيعة المستوى التي كانت معلقة منذ سنوات. وبالفعل، شارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لأول مرة منذ خمس سنوات في أغسطس/آب من العام نفسه.
لم يقتصر التحول على مؤسسات الاتحاد فقط. فقد عكست زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أنقرة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تغيرًا واضحًا في موقف برلين، حين دعا من العاصمة التركية إلى شراكة إستراتيجية أعمق مع أنقرة، مؤكدًا أن ألمانيا والاتحاد الأوروبي لا يستطيعان تجنب بناء علاقة جيدة وعميقة مع تركيا في مواجهة التحديات العالمية.
وبصورة لا تقل دلالة، بدأت قبرص اليونانية، إحدى أبرز خصوم تركيا داخل الاتحاد الأوروبي، في تخفيف لهجتها. إذ صرح رئيسها نيكوس كريستودوليدس لصحيفة «فايننشال تايمز» بأن احتضان تركيا بات شرطًا أساسيًا لحل القضية القبرصية وتحقيق الاستقرار الإقليمي، معلنًا عزمه دعوة الرئيس أردوغان ووزير خارجيته إلى اجتماعات غير رسمية مع الاتحاد الأوروبي.
يعكس هذا التحول الأوروبي عملية إعادة تقييم إستراتيجية عميقة، مدفوعة بمخاوف أمنية متزايدة. فوفق تحليلات سياسية، يتصدر القلق من روسيا وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأميركية، إلى جانب تصاعد النفوذ التركي في ملفات سوريا وليبيا وغزة وشرق المتوسط، قائمة العوامل التي دفعت أوروبا إلى إعادة النظر في علاقتها مع أنقرة.
تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة، متفوقة عدديًا وعسكريًا على جميع الدول الأوروبية الأعضاء. ويُضاف إلى هذا الثقل موقعها الجغرافي المحوري، الذي يجعلها لاعبًا لا غنى عنه في أمن البحر الأسود وشرق المتوسط.
كما عززت أنقرة حضورها في المتوسط بعد التطورات السياسية في سوريا أواخر العام الماضي، ما منحها نفوذًا مباشرًا في الهيكلية الأمنية للشرق الأوسط، بتداعيات تمس المصالح الأوروبية بشكل مباشر.
في ظل ضغوط روسية متزايدة وتوترات في العلاقة مع واشنطن، وجدت بروكسل نفسها مضطرة لإعادة فتح قنوات الحوار مع أنقرة بعد سنوات من الجمود. وتبدو صفقة «يوروفايتر» أكثر من مجرد عقد تسليح، إذ تمثل مؤشرًا واضحًا على انتقال أوروبا من سياسة الانتقاد والاشتراط إلى منطق الشراكة الواقعية.
وبذلك، لا تعكس الصفقة تقاربًا أيديولوجيًا بقدر ما تجسد اعترافًا بأن تركيا باتت عنصرًا مركزيًا في معادلة الأمن الأوروبي، وشريكًا يصعب تجاوزه في عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين.

التعليقات مغلقة.