عيدني محمد – فاس
تنجح فرق الإنقاذ، في كل كارثة طبيعية، في إنقاذ الأرواح البشرية، وتُحسب هذه الجهود في ميزان الواجب الإنساني والوطني، غير أن مأساة أخرى صامتة تبدأ مباشرة بعد انحسار المياه، وتبقى خارج دائرة الضوء، ويتعلق الأمر بمصير القطط والكلاب والحيوانات الأليفة التي تُترك خلفها في المناطق المنكوبة، مهددة بالموت جوعًا أو بالمرض.
في أعقاب الفيضانات التي شهدتها بعض المدن والمناطق، ومنها القصر الكبير ونواحيها، انصبت كل الجهود على إجلاء الساكنة وتأمين سلامتها، وهو أمر مشروع وضروري، غير أن غياب أي تصور مواكب لإنقاذ الحيوانات كشف مرة أخرى عن فراغ مؤسساتي في التعامل مع هذا الجانب الإنساني والبيئي.
فالكثير من الأسر أُجبرت على مغادرة منازلها على عجل، تاركة وراءها حيوانات أليفة لا ذنب لها سوى أنها لا تستطيع الهروب أو التعبير عن الخطر، فيما وجدت الحيوانات الضالة نفسها محاصرة دون غذاء أو ماء، في مشهد يهدد التوازن البيئي والصحة العامة.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين دور جمعيات الرفق بالحيوانات؟ وأين موقعها من مخططات تدبير الكوارث؟
فرغم وجود عدد من الجمعيات النشيطة، إلا أن تدخلها غالبًا ما يبقى محدودًا، فرديًا، وغير منسق، يعتمد على مبادرات “أصحاب القلوب الرحيمة” أكثر مما يعتمد على برامج طوارئ واضحة ومدعومة.
إن إنقاذ الحيوانات في حالات الكوارث لا يُعد ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية وبيئية، لأن تركها تموت جوعًا أو تتكاثر في ظروف غير صحية قد يؤدي إلى انتشار الأمراض، ويخلق مشاكل إضافية للساكنة بعد عودتها، فضلًا عن كونه سلوكًا يتنافى مع القيم الحضارية والإنسانية.
وكان من المفروض أن تُفعَّل آليات عملية، تشمل إحصاء الحيوانات المتضررة، توفير الأعلاف والمياه، إنشاء مراكز إيواء مؤقتة، وتنسيق الجهود بين الجماعات المحلية، المصالح البيطرية، وجمعيات الرفق بالحيوانات، حتى يكون التدخل متوازنًا وشاملًا.
إن الكوارث الطبيعية تضع المجتمعات أمام اختبار حقيقي لقيمها، ولا يُقاس النجاح فقط بعدد الأرواح البشرية التي تم إنقاذها، بل أيضًا بمدى احترام الحياة بكل أشكالها، والقدرة على حماية الكائنات الضعيفة التي لا صوت لها.
وإذا كان الجيش والسلطات قد نجحوا في إنقاذ الإنسان، فإن الكرة اليوم في ملعب المجتمع المدني والمؤسسات المعنية، من أجل إنقاذ ما تبقى من حياة صامتة، لأن الرحمة لا تتجزأ، والإنسانية لا تكتمل إلا بحماية الإنسان والحيوان معًا.
عيدني محمد – فاس

التعليقات مغلقة.