أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

مشرط الجدية في مواجهة تفاهة الإعلام الرقمي

جريدة أصوات

تحوّل النقاش العمومي في الآونة الأخيرة إلى ساحة مكشوفة لتعرية ممارسات دخيلة على العمل الإعلامي، بعدما كشفت مواقف واضحة صدرت من داخل قبة البرلمان حجم الانحراف الذي بلغه بعض منتحلي صفة الصحافة، ممن جعلوا من الابتزاز والتهديد والريع أسلوبًا للاشتغال، ومن الإسفاف والتشهير خطًا تحريريًا ثابتًا.

لقد أبانت هذه الفئة، التي راكمت سوابق في التعدي على القيم والأشخاص، عن حقيقتها كاملة حين عجزت عن مجاراة خطاب الجدية بالحجة والفكرة، فلجأت إلى القذف والتجريح واللغة المنحطة، في مشهد يؤكد أن ما يُقدَّم تحت يافطة “الإعلام الرقمي” ليس سوى خربشات تفتقر إلى أبسط قواعد المهنة، وإلى الحد الأدنى من التماسك اللغوي والفكري.

وليس جديدًا أن يحذر مثقفون وأكاديميون، منذ عقود، من أخطار هذا المسار. فقد نبه الراحل محمد جسوس، رحمه الله، مبكرًا إلى بوادر تشكل نماذج تقتات على الرداءة وتصنع التفاهة، وهو ما نراه اليوم وقد تحقق بشكل مقلق، مع توسع منصات تروج للفضائح وتستثمر في هدم القيم المجتمعية.

إن المتأمل في هذا المشهد يدرك أن الأمر لا يتعلق بحرية تعبير أو اختلاف في الرأي، بل بمحاولة ممنهجة لتطبيع الانحراف، وتقديم الإساءة باعتبارها جرأة، والتشهير باعتباره سبقًا صحفيًا، في ضرب صارخ لأخلاقيات المهنة ولحرمة الحياة الخاصة. لقد تم اقتحام البيوت، وتشويه الأسر، والزج بأبرياء في دوامات قضائية واجتماعية، فقط لأن “البوز” صار غاية تبرر كل الوسائل.

كما لم يسلم قطاع التعليم من هذا العبث، حين جرى تسويق الوهم للأجيال الصاعدة بأن الشهرة السريعة وأموال الإعلانات الرقمية بديل عن التحصيل العلمي، وأن التفاهة يمكن أن تصبح مسارًا للترقي الاجتماعي. وفي السياق ذاته، تم استهداف القدوات، عبر تلميع نماذج منحرفة، وتقديم السلوكيات الشاذة على أنها تميز وإنجاز.

وأمام تحرك الدولة، مشكورة، من أجل وضع حد لهذا الانفلات، حماية للأخلاق العامة وصونًا لصورة المغرب، شعرت هذه الفئة بأن مصالحها مهددة، فحاولت البحث عن موطئ قدم داخل الحقل السياسي، مستغلة المال المشبوه وأساليب الضغط، في محاولة للهيمنة على مؤسسات التنظيم الذاتي للمهنة، وعلى رأسها المجلس الوطني للصحافة، في مسعى يهدد ما تبقى من مصداقية السلطة الرابعة.

إن ما يثير انزعاج هذه الجهات هو أن أصواتًا وطنية، داخل العمل السياسي، قررت القيام بدورها كاملاً، والتصدي بوضوح لمخاطر الانحدار نحو الميوعة والإسفاف. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول هذه الأصوات إلى هدف لحملات تشهير ممنهجة، طالت الأشخاص وامتدت إلى محيطهم الأسري، في محاولة يائسة للترهيب وثنيهم عن قول الحقيقة.

غير أن خطاب الجدية، الذي دعا إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أثبت أنه الخيار الوحيد القادر على فرز الغث من السمين. فالمغرب، بتاريخ نضاله وتماسك مجتمعه وثوابته الوطنية، أقوى من أن يُختزل في محتويات تافهة أو حملات ابتزاز عابرة.

وإذ ينشغل المغاربة اليوم بقضايا حقيقية، من قبيل تداعيات الفواجع الطبيعية التي عرفتها مناطق كالحوز وآسفي، يصر دعاة التفاهة على الهروب إلى معارك جانبية، غارقين في نقاشات سطحية، بعيدة عن هموم الوطن والمواطنين.

إن السجال سيظل مفتوحًا، لكن الرهان سيبقى ثابتًا: الدفاع عن إعلام مهني مسؤول، وعن سياسة نبيلة، وعن فضاء عمومي نظيف، تكون فيه الكلمة أداة بناء لا وسيلة هدم.
والنصر، في نهاية المطاف، للحقيقة، وللوطن.

التعليقات مغلقة.