أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قمة استراتيجية بين المغرب وإسبانيا تعيد رسم التوازنات في المنطقة

جريدة أصوات

أشادت إسبانيا رسمياً بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يؤكد أن حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق لقضية الصحراء. جاء هذا الإشادة خلال الدورة الثالثة عشرة رفيعة المستوى للاجتماع بين البلدين في مدريد، في وقت تجري فيه ترتيبات دبلوماسية محتملة لزيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى العاصمة الإسبانية.

أفادت وسائل إعلام إسبانية بوجود ترتيبات دبلوماسية جارية لزيارة مرتقبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مدريد خلال شهر ديسمبر الجاري. وتأتي هذه الزيارة، التي ستكون الأولى من نوعها لتبون إلى إسبانيا منذ توليه مهامه سنة 2019، في أعقاب الاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وإسبانيا وما رافقته من رسائل سياسية تعزز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد.

ووفقاً لصحيفة “ذا أوبجكتيف”، يستعد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لاستقبال تبون في إطار سعي الحكومة الإسبانية إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الجزائر والمغرب، في ظل المستجدات المتسارعة المرتبطة بملف الصحراء المغربية.

تأتي هذه التطورات ضمن محاولات الجزائر لإعادة ترميم العلاقات الثنائية مع إسبانيا، بعد إخفاق سياسة الضغط التي اعتمدتها منذ مارس 2022 لدفع مدريد إلى التراجع عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، وهو الموقف الذي بات راسخاً في توجهات السياسة الخارجية الإسبانية.

وأكدت مصادر إسبانية أن الحكومة الإسبانية تتجه إلى المصادقة على تعيين سفير جديد لدى الجزائر، تمهيداً للإعلان الرسمي عن الزيارة المحتملة للرئيس الجزائري.

موقف دبلوماسي حذر
في هذا الصدد، قال السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، إن المعطيات المتداولة حول زيارة مرتقبة للرئيس الجزائري إلى مدريد “مازالت في حدود التسريبات الإعلامية”. وأضاف رحال أن “ما يُنشر يظل في خانة التوقعات ما دام لم يصدر إعلان رسمي يُثبت الأمر، خاصة أن البرمجة الدبلوماسية عادة ما تُواكبها مؤشرات واضحة قبل الإبلاغ عنها”.

وأوضح المتحدث ذاته أن “الاعتبارات الزمنية تطرح بدورها علامة استفهام، لأن أي زيارة رسمية قبل العشرين من دجنبر تظل ممكنة، لكن ما بعده يصطدم مباشرة بفترة أعياد الميلاد، حيث تتوقف تقريباً كل الأنشطة واللقاءات الرسمية بأوروبا إلى غاية العاشر من يناير”.

من جانبه، سجل محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 “يشكل محطة مفصلية تتجاوز طبيعتها التقنية، لأنه أعاد ضبط قواعد التعاطي الدولي مع نزاع الصحراء على أساس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الإطار الوحيد الذي يحظى بقبول واسع داخل مجلس الأمن، بما يشمل القوى الكبرى”.

وأضاف بقادة: “الدلالات السياسية لهذا القرار تمتد إلى المجالين الإقليمي والدولي، بالنظر إلى مسؤوليات الأطراف المعنية شرقاً وشمالاً وجنوباً؛ وهو ما دفع عددا من الدول، من بينها الجزائر وإسبانيا، إلى إعادة تقييم مقاربتها تجاه مستجدات الملف”.

وأكد بقادة أن التحولات الأخيرة “تفرض على الجزائر مراجعة خطابها التقليدي، خاصة بعد تأكيد القرار 2797 على مركزية الحكم الذاتي، وتزايد الاعترافات الدولية بمصداقيته”. وبرز بقادة أن “محاولة الجزائر إعادة التموضع تأتي في سياق تآكل رهاناتها في المنطقة، سواء في الساحل أو في الفضاءين الأوروبي والعربي”.

وأوضح رئيس مركز الدراسات السياسية أن الزيارة المرتقبة لعبد المجيد تبون إلى مدريد “تندرج ضمن هذا السعي إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع الحكومة الإسبانية، لكن تأثيرها سيظل محدوداً أمام ثبات الموقف الإسباني الداعم للحكم الذاتي، الذي أعادت مدريد تأكيده خلال الاجتماع رفيع المستوى مع الرباط”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “التحرك الجزائري يعكس محاولة للتقليل من خسائر الدبلوماسية الجزائرية بعد صدور القرار الأممي، لكنه يظل أقرب إلى مقاربة اقتصادية مرتبطة بصفقات الطاقة والمعادن، أكثر منه مراجعة سياسية حقيقية للموقف من نزاع الصحراء”.

وخلص محمد فاضل بقادة إلى أن “السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار مدريد في تبني الموقف الداعم لمقترح الحكم الذاتي، فيما ستظل الجزائر تراهن على عرقلة مسار المفاوضات عبر جبهة البوليساريو”.

يذكر أن الاجتماع الرفيع المستوى بين المغرب وإسبانيا شهد إشادة إسبانية رسمية بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يؤكد أن حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق لتسوية قضية الصحراء المغربية.

هذه التطورات تأتي في سياق تاريخي طويل من العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر، حيث يعود أسباب التوتر إما لخلاف حدودي كالذي نشب سنة 1963، أو للتوجهات الأيديولوجية، أو عدم الثقة. وكان القادة الراحلون الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين قد تمكنوا من تجاوز بعض هذه الخلافات لفترة، من خلال اتفاقية إفران للأخوة والتعاون وحسن الجوار عام 1969، إلى اتفاقية ترسيم الحدود في يونيو 1972 بالرباط.

من جانب آخر، تشير مصادر إسبانية إلى أن إسبانيا والمغرب تعززان شراكتهما الاستراتيجية في مجالات متعددة، حيث تجاوزت التجارة بين البلدين 20 مليار أورو في 2024، وتعتبر إسبانيا أول شريك للمغرب، بينما يعتبر المغرب أول زبون إفريقي لإسبانيا.

في المقابل، لا تزال الجزائر تعاني من تبعات القطيعة الدبلوماسية مع إسبانيا سنة 2022 بسبب موقف مدريد من الأقاليم الصحراوية المغربية، ولا يزال الحوار في 2025 محدوداً على الأمن ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني، مع منتدى أعمال صغير في يونيو حول الطاقات والتجارة.

من جهة أخرى، خرجت جبهة البوليساريو الانفصالية مؤخراً معلنة عزمها اللجوء إلى محكمة العدل الأوروبية لمواجهة اتفاقية التجارة التي تربط المغرب بالاتحاد الأوروبي.

ويرى أستاذ التعليم العالي في جامعة القاضي عياض محمد بنطلحة الدكالي أن هذا الإعلان من طرف الجبهة الانفصالية “مخالف للشرعية الدولية، التي تعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الواقعي لحل هذا الملف”.

من جانبها، تستغل الجزائر مؤتمراً إفريقياً حول تجريم الاستعمار لإحياء سرديتها المشروخة حول الصحراء، في محاولة يائسة لإيجاد ثغرة لإدراجها ضمن شعار الاتحاد الإفريقي الرسمي لهذا العام.

وتعليقاً على هذه التطورات، قال مصدر موثوق إن الجزائر حاولت، بعد اعتماد القرار 2797، تعديل القرار 693 المعتمد خلال الدورة العادية الحادية والثلاثين للجمعية العامة للاتحاد الإفريقي في نواكشوط، وقد قوبل طلبها بالرفض بالإجماع.

وفي وقت تواصل فيه جبهة البوليساريو رهانها على الخطاب العسكري، ترى مراقبة دبلوماسية أن هذه الاستراتيجية تدفن أطروحة الانفصال في التراب الجزائري، بعد خمس سنوات من إعلان الجبهة عودتها إلى ما تسميه “الكفاح المسلح” في 13 نوفمبر 2020.

يبدو أن الزيارة المحتملة للرئيس الجزائري إلى مدريد لن تغير المعادلة الأساسية في المنطقة، حيث تبقى إسبانيا متمسكة بموقفها الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما تواصل الجزائر سعيها لإعادة تموضع دبلوماسي في ظل التطورات الدولية الأخيرة التي عززت الموقف المغربي.

ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفق المراقبين، هو استمرار مدريد في تبني الموقف الداعم لمقترح الحكم الذاتي، فيما ستظل الجزائر تراهن على عرقلة مسار المفاوضات عبر جبهة البوليساريو، مع محاولة الحفاظ على علاقات اقتصادية مع إسبانيا في مجالات الطاقة والمعادن.

هذه التطورات تعكس دينامية جديدة في العلاقات الدولية بالمنطقة، حيث تعيد القوى الإقليمية والدولية رسم تحالفاتها واستراتيجياتها في ظل مستجدات ملف الصحراء الذي يشهد تحولاً تاريخياً بفضل القرار الأممي الأخير.

التعليقات مغلقة.