تتجه أنظار الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين في القطاع الفلاحي نحو مدينة مكناس، التي تستعد لاحتضان النسخة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، في محطة جديدة تؤكد استمرار هذا الحدث كأكبر تظاهرة فلاحية في القارة الإفريقية ومنصة دولية لتقاطع الرؤى وتبادل الخبرات والابتكار.
تُنظم دورة سنة 2026 تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في سياق دولي يتسم بتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية، ما يمنح هذا الموعد بعداً استراتيجياً يتجاوز الطابع المعرضي ليصبح فضاءً لإعادة التفكير في نماذج الإنتاج الفلاحي ومستقبل السياسات الغذائية.
ويعكس شعار الدورة “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية” وعيًا متناميًا بأهمية القطاع في تحقيق التوازن الغذائي وضمان استمرارية الموارد. ويرتقب أن تركز النقاشات على تطوير سلاسل الإنتاج الحيواني، وتعزيز الصحة الحيوانية، وتحسين مردودية تربية الماشية، في ظل الإكراهات البيئية والمناخية التي تفرض إعادة النظر في طرق الإنتاج التقليدية والانتقال نحو نماذج أكثر استدامة ونجاعة.
وفي خطوة لتعزيز الانفتاح الاقتصادي والشراكات الدولية، تحل البرتغال ضيف شرف على هذه الدورة، ما يعكس عمق العلاقات الثنائية ويفتح المجال أمام توسيع آفاق التعاون في مجالات الفلاحة العصرية والتكنولوجيا الزراعية، بما يسهم في نقل الخبرات وتبادل التجارب بين الفاعلين من البلدين.
وتراهن الدورة على تحقيق حضور واسع، من خلال استقطاب نحو 1500 عارض يمثلون أكثر من 70 دولة، ما يحول مكناس، على مدى تسعة أيام، إلى فضاء دولي نابض يجمع صناع القرار والخبراء والمهنيين، في لحظة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع رهانات الأمن الغذائي العالمي.
ولا يقتصر طموح المعرض على العرض والترويج، بل يمتد ليؤسس لنقاش علمي معمق، من خلال تنظيم أكثر من 40 ندوة علمية ولقاء مهني رفيع المستوى، ما يمنحه بعد “مختبر فكري” يسعى لاستشراف مستقبل الفلاحة وتحديد ملامح التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع على المستوى الدولي.
ومن أجل تحقيق توازن بين البعد المهني والانفتاح على الجمهور، اعتمدت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات برمجة خاصة، تتيح تخصيص الأيام الأولى للمهنيين، قبل فتح أبواب المعرض أمام العموم، بما يضمن استفادة مختلف الفئات من هذا الحدث، سواء على مستوى تبادل الخبرات أو اكتشاف أحدث الابتكارات والمنتجات الفلاحية.
وبفضل النجاحات المتراكمة عبر دوراته السابقة، يواصل المعرض الدولي للفلاحة بمكناس تثبيت مكانته كرافعة أساسية للسياسة الفلاحية الوطنية، ليس فقط باعتباره واجهة للمنتجات المحلية، بل كأداة استراتيجية لتعزيز السيادة الغذائية ودعم التنمية القروية، في سياق يتطلب توازنًا دقيقًا بين متطلبات الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية.
وبين رهانات الاستدامة وتحديات السوق العالمية، تسعى دورة 2026 إلى إعادة صياغة أدوار القطاع الفلاحي المستقبلية، لبناء نموذج أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

التعليقات مغلقة.