أصوات-الرباط
يعد كتاب “الجاسوسية تتحكم بمصائر الشعوب” من أبرز الكتب التي تناولت بشكل نقدي وعميق أنشطة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وتأثيرها على سياسات الدول الداخلية والخارجية. نُشر هذا الكتاب عام 1974، وهو ثمرة رؤية نقدية جريئة لموظفين سابقين، منهم فيكتور مارشيتي، الذي عمل مساعدًا لنائب مدير وكالة المخابرات المركزية، وجون ماركس، وهو ضابط سابق في وزارة الخارجية. يؤكد المؤلفان أن الوكالة لم تعد تقتصر على جمع المعلومات الاستخبارية فحسب، بل تجاوزت ذلك لتصبح قوة مهيمنة تنفذ عمليات سرية، غالبًا غير قانونية، لصالح السياسات الأمريكية، مما يهدد المبادئ الديمقراطية والرقابة المدنية.
يقدم الكتاب تحليلًا نقديًا للمجتمع الاستخباراتي الأمريكي، حيث يسلط الضوء على ظاهرة “عبادة الاستخبارات” التي يصفها بأنها ثقافة نخبوية تُوظف السرية والتلاعب لخدمة مصالح إمبريالية على حساب مبادئ الشفافية والمساءلة. يرى الكاتب أن الوكالة استُخدمت لتنفيذ عمليات سرية تتنوع بين فرض الانقلابات، وغسيل الأموال، والتصدي للخصوم السياسيين والمعارضين، غالبًا بما يخالف الأطر القانونية والديمقراطية. يتناول الكتاب كيفية تحول الوكالة من مهمة جمع المعلومات إلى ممارسة عمليات سرية غير قانونية، تتضمن تدخلات في انتخابات، ودعم أنظمة ديكتاتورية، وتنفيذ عمليات تصفية لخصوم، مما أدى إلى تدمير استقرار وسياسات العديد من الدول.
كما يوضح الكتاب تطور استخدام الوكالة لشركات وأذرع خلفية غير ظاهرة، تعتمد على التضليل والتشويش في ممارساتها، بالإضافة إلى الاعتماد على عمليات سرية تُدار من وراء الكواليس، بهدف خدمة السياسات الأمريكية في مختلف أنحاء العالم. ويكشف كيف أن ممارسات الوكالة ساهمت في تأجيج النزاعات، وتقويض الديمقراطيات، وإحداث تغيرات جيوسياسية مهمة، مع التركيز على تقويض السيادة الوطنية للعديد من الدول عبر التدخلات الخارجية السرية. في النهاية، يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في مفهوم الاستخبارات وضرورة وجود رقابة مدنية أكثر فعالية لضمان عدم استغلال هذه المؤسسات لتحقيق مصالح شخصية أو نخبوية على حساب الشعوب والأخلاق.

التعليقات مغلقة.