انسحاب أخنوش من رئاسة “الأحرار” قرار مفاجئ أم إعادة ترتيب من فوق؟ قراءة في الخلفيات والتداعيات
بقلم : م ع
أعلن عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، مساء الأحد، عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس الحزب، في خطوة أنهت عشر سنوات من قيادته للتنظيم السياسي، وفتحت باب التأويل على مصراعيه داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة بالنظر إلى الطابع المفاجئ للقرار وتوقيته الحساس.
وجاء الإعلان خلال اجتماع المكتب السياسي للحزب، الذي صادق بالمناسبة على لائحة أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي المرتقب، والذي سيفرز قيادة جديدة، واضعًا بذلك حدًا لما وُصف في أكثر من مناسبة بـ“مرحلة الرئيس الدائم” داخل الأحزاب السياسية المغربية.
وأكد أخنوش، في تصريحاته، أن قراره شخصي ويندرج في إطار احترام النظام الأساسي للحزب، الذي يحدد ولايتين متتاليتين كحد أقصى، معتبرا أن التداول على القيادة يمنح صورة إيجابية عن الممارسة الديمقراطية داخل التنظيم، ويتيح الفرصة لبروز قيادات جديدة بعد عقد من الزمن على رأس الحزب.
غير أن هذا التبرير لم يُقنع شريحة واسعة من المتابعين، خاصة وأن رئيس “الأحرار” كان، إلى وقت قريب، يعبئ الحزب انتخابيا، ويقود حملات تواصلية مكلفة للتعريف بما اعتبرها منجزات حكومية، ما عزز الاعتقاد بأن الانسحاب لم يكن ضمن حساباته القريبة، بل جاء على نحو مفاجئ ودون مقدمات واضحة.
جدل سياسي وإعلامي
قرار الانسحاب فجّر نقاشا واسعا حول خلفياته الحقيقية، خصوصا في ظل السياق العام الذي طبع الولاية الحكومية الأخيرة، والموسوم بموجة غلاء غير مسبوقة، وتراجع القدرة الشرائية، واحتقان اجتماعي متزايد، واتهامات مباشرة للحكومة بالفشل في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
ويرى منتقدو أخنوش أن السياسات المتبعة خلال ولايته عمّقت الفوارق الاجتماعية، وأثقلت كاهل المواطنين، سواء من خلال ارتفاع أسعار المواد الأساسية، أو من خلال إخفاق برامج كبرى، على رأسها “مخطط المغرب الأخضر”، الذي تحوّل، حسب توصيف معارضيه، من رافعة تنموية إلى عنوان للجدل والانتقاد، إضافة إلى ملفات مالية ما زالت تثير الكثير من علامات الاستفهام.
في هذا السياق، ربطت أصوات إعلامية ومدنية، من بينها تدوينات للناشطة مايسة سلامة الناجي، القرار بما وصفته بـ“حملة تطهيرية”، معتبرة أن الانسحاب لم يكن اختيارا ذاتيا، بل نتيجة قرار “جاء من فوق”، فرضته حسابات سياسية أوسع، تتجاوز شخص أخنوش وحزبه.
قراءة في التوقيت والدلالات
سياسيا، يصعب فصل هذا القرار عن حالة التآكل التي أصابت صورة الحكومة ورئيسها في الشارع المغربي، حيث أظهرت مؤشرات متعددة تراجع منسوب الثقة، واتساع رقعة السخط الشعبي، وهو ما جعل استمرار أخنوش في الواجهة عبئا انتخابيا على حزبه أكثر منه رصيدا.
كما أن توقيت الإعلان، قبل فتح باب الترشيحات لرئاسة الحزب، والذي حدده “الأحرار” ما بين الاثنين و21 يناير 2026، يوحي بوجود إرادة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتقديم قيادة جديدة بوجه أقل استفزازا للرأي العام، استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
من زاوية أخرى، قد يعكس الانسحاب محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وإعادة ضبط العلاقة بين الحقل الحزبي والسلطة، خاصة إذا ثبت أن القرار تم في إطار توافقات غير معلنة، هدفها حماية التوازنات العامة وتفادي مزيد من الاحتقان.
نهاية مرحلة أم خروج تكتيكي؟
يبقى السؤال المطروح: هل يشكل هذا الانسحاب نهاية فعلية للمسار السياسي لعزيز أخنوش، أم مجرد خروج من الباب الحزبي مع الإبقاء على أدوار أخرى من خلف الستار؟ المؤكد أن الرجل، بحكم ثقله المالي والاقتصادي، سيظل فاعلا مؤثرا، وإن بأشكال مختلفة.
لكن، سياسيا على الأقل، يبدو أن مرحلة أخنوش كرجل واجهة في المشهد الحزبي قد وصلت إلى نهايتها، سواء بإرادته أو بفعل ضغوط الواقع. وهي نهاية، إن صحت قراءات “القرار الفوقي”، تعكس تحولا في طريقة تدبير المرحلة، ورسالة واضحة بأن الشرعية الشعبية تظل، في النهاية، محددا أساسيا لاستمرار أي فاعل في الواجهة.
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن اختيار ديمقراطي طوعي، والرواية غير المعلنة التي تتحدث عن قرار محسوم من أعلى، يظل انسحاب أخنوش حدثا سياسيا ثقيلا، ستكون له دون شك ارتدادات على حزب “الحمامة” وعلى توازنات المشهد السياسي المغربي برمته.

التعليقات مغلقة.