أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

عقود الإدماج بين الأمل المؤجل ومعاناة الشباب المغربي في البحث عن الاستقرار المهني

بدر شاشا

يشكل العمل بالنسبة لأي شاب بداية الطريق نحو بناء حياة مستقرة، فهو ليس مجرد مصدر للدخل فقط، بل هو أساس الكرامة الإنسانية والاستقلال الاجتماعي والنفسي. عندما يحصل الشاب على وظيفة مستقرة يشعر بأنه أصبح قادراً على التخطيط لمستقبله، وعلى المساهمة في بناء أسرته ومجتمعه. لكن في السنوات الأخيرة ظهرت في سوق الشغل بالمغرب أنماط من العقود المؤقتة التي خلقت نقاشاً واسعاً حول تأثيرها على استقرار الشباب، ومن بينها عقود الإدماج المرتبطة ببرامج التشغيل التي تديرها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.

في الأصل تم تصميم هذه العقود بهدف نبيل يتمثل في مساعدة الشباب الباحثين عن العمل على دخول عالم المقاولة واكتساب تجربة مهنية أولى. الفكرة تقوم على منح الشاب فرصة للعمل داخل مؤسسة أو شركة لفترة محددة حتى يتعلم مهارات المهنة ويتعرف على بيئة العمل، وهو ما قد يساعده لاحقاً على الحصول على وظيفة دائمة. غير أن الواقع العملي كشف عن مجموعة من الإشكالات التي جعلت الكثير من الشباب يعيشون تجربة مختلفة عما كانوا يتوقعونه.

من بين الانتقادات التي تتكرر في حديث الشباب أن بعض الشركات قد تستعمل هذا النوع من العقود كوسيلة للحصول على يد عاملة بتكلفة أقل. في بعض الحالات يتم تشغيل شباب بعقود إدماج لفترة معينة، ثم بعد انتهاء العقد يتم استبدالهم بشباب آخرين بعقود مماثلة، دون تحويلهم إلى موظفين دائمين داخل المؤسسة. وهكذا يجد الشاب نفسه بعد سنة أو سنتين من العمل يعود من جديد إلى نقطة البداية، وكأن التجربة المهنية التي عاشها لم تكن سوى محطة مؤقتة لا تفتح أمامه باب الاستقرار الحقيقي.

هذا الوضع يخلق نوعاً من الدوران داخل دائرة مغلقة. الشاب يعمل لفترة محدودة، يكتسب بعض الخبرة، لكنه في النهاية يجد نفسه مرة أخرى في صفوف الباحثين عن العمل. ومع تكرار هذه التجربة لدى عدد من الشباب يتولد شعور بأن سوق العمل أصبح يعتمد أكثر على عقود مؤقتة بدلاً من توفير وظائف مستقرة تضمن المستقبل المهني للعاملين.

كما أن عقد الإدماج في حد ذاته لا يمنح دائماً ضمان الاستمرار في الوظيفة بعد انتهاء مدة البرنامج. الهدف المعلن من هذا النظام هو تمكين الشباب من تجربة أولى تساعدهم لاحقاً على إيجاد فرص أفضل، لكن الواقع يظهر أن بعض الشباب قد يجد نفسه بعد انتهاء العقد أمام نفس التحديات التي واجهها قبل أن يبدأ العمل. يعود إلى البحث عن وظيفة جديدة، ويبدأ رحلة إرسال السير الذاتية والانتظار من جديد، وكأن سنوات الدراسة والعمل المؤقت لم تغير كثيراً من وضعه المهني.

الجانب الأكثر تأثيراً في هذه التجربة هو الجانب النفسي والاجتماعي. فالشاب الذي يعمل بعقد مؤقت يعيش غالباً حالة من الانتظار المستمر. هو يعمل ويؤدي مهامه اليومية مثل أي موظف آخر، لكنه في داخله يعلم أن وضعه المهني غير مضمون على المدى الطويل. هذا الشعور يجعل المستقبل يبدو غير واضح، ويجعل التخطيط للحياة الشخصية أمراً صعباً.

في كثير من المجتمعات يرتبط الاستقرار المهني بقرارات حياتية كبيرة مثل الزواج أو شراء منزل أو الحصول على قرض بنكي. لكن عندما يكون مصدر الدخل مؤقتاً وغير مضمون، يجد الشاب نفسه متردداً في اتخاذ هذه الخطوات. كيف يمكن لشاب أن يفكر في تأسيس أسرة وهو لا يعرف إن كان سيحتفظ بعمله بعد أشهر قليلة؟ وكيف يمكنه أن يخطط لشراء منزل أو سيارة إذا كان عقده المهني قد ينتهي في أي لحظة دون ضمان للاستمرار؟

هذا الوضع لا يؤثر فقط على الفرد، بل ينعكس أيضاً على المجتمع ككل. عندما يشعر الشباب بعدم الاستقرار المهني قد يتراجع شعورهم بالأمان الاجتماعي، وقد يتزايد القلق حول المستقبل. كما قد يفكر البعض في الهجرة أو البحث عن فرص خارج البلاد أملاً في الحصول على ظروف عمل أكثر استقراراً.

ورغم هذه التحديات، فإن الفكرة الأساسية لبرامج الإدماج المهني تبقى مهمة إذا تم تطبيقها بطريقة تحقق التوازن بين مصلحة المقاولات وحقوق الشباب. التجربة المهنية الأولى ضرورية لكل شاب، لكنها يجب أن تكون خطوة نحو الاستقرار وليس مجرد مرحلة مؤقتة تتكرر دون أفق واضح.

إن الشباب المغربي يمتلك طاقات كبيرة ورغبة حقيقية في العمل والإبداع، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مهنية توفر له الأمان والفرصة الحقيقية لبناء مستقبله. عندما يشعر الشاب بأن جهده في العمل سيقوده إلى استقرار حقيقي، فإنه يعمل بحماس أكبر ويستثمر أكثر في تطوير مهاراته والمساهمة في تقدم الاقتصاد.

الاستقرار المهني ليس رفاهية، بل هو حجر الأساس لأي مجتمع يريد أن يبني مستقبله على طاقات شبابه. وعندما تتحول فرص العمل إلى مسارات واضحة نحو الاستقرار، يصبح العمل ليس فقط وسيلة للعيش، بل طريقاً لبناء حياة كريمة ومستقبل مليء بالأمل.

التعليقات مغلقة.