شهد العمل الجمعوي خلال السنوات الأخيرة تحولات مقلقة أفقدته في بعض الأحيان بريقه ودوره الحقيقي داخل المجتمع، بعدما أصبح عدد من الفاعلين الجمعويين يتحركون في فلك بعض المنتخبين والسياسيين، ليس خدمةً للصالح العام، بل في إطار حسابات انتخابية ضيقة تقوم على التسويق والبهرجة وصناعة الولاءات.
فالفاعل الجمعوي، الذي يفترض فيه أن يكون صوتًا مستقلاً للمجتمع ومدافعًا عن قضاياه، تحول لدى البعض إلى مجرد واجهة تُستعمل لتلميع صورة المنتخب أو المسؤول السياسي، عبر تنظيم الأنشطة والمبادرات الموسمية التي يُراد منها استقطاب التعاطف وكسب النقاط السياسية أكثر من خدمة المواطن.
وفي كثير من المناسبات، يُلاحظ حضور بعض الجمعيات بشكل مكثف في اللقاءات والتجمعات التي تحمل طابعًا سياسيًا مقنعًا، حيث يتم استغلال العمل الخيري والاجتماعي كوسيلة للدعاية المبكرة، في مشهد يسيء إلى مفهوم التطوع ويضرب في العمق مبدأ استقلالية المجتمع المدني.
ويمكن القول أن أخطر ما في الأمر هو سقوط بعض الفاعلين الجمعويين في دائرة “التبعية”، بعدما أصبحوا ينتظرون الدعم أو الامتيازات مقابل الولاء السياسي، وهو ما أفقد العديد من الجمعيات ثقة المواطنين، وحول بعضها إلى أدوات انتخابية موسمية تظهر عند الحاجة وتختفي بعد انتهاء المصالح.
إن قوة العمل الجمعوي تكمن في استقلاليته وصدقه وقربه الحقيقي من هموم المواطنين، لا في الارتماء داخل الحسابات الحزبية الضيقة أو لعب دور الكومبارس في مشاهد البهرجة السياسية.
ويبقى الأمل معقودًا على الفاعلين المدنيين الشرفاء من أجل إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي النزيه، وترسيخ ثقافة التطوع الحقيقي، بعيدًا عن كل أشكال الاستغلال السياسي والانتخابي الذي يفرغ المجتمع المدني من رسالته النبيلة.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.