أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

CDG ورونو: شراكة أزمة صنعت قطبًا صناعيًا

جريدة أصوات

لم تكن الاستثمارات الصناعية الكبرى تتحرك في بيئة عادية. فقد شددت الأبناك شروط الإقراض، وجفّت منابع السيولة، وأعادت الشركات متعددة الجنسيات ترتيب أولوياتها تحت ضغط المخاطر. في ذلك السياق الدقيق، برز تدخل صندوق الإيداع والتدبير كشريك في مشروع رونو بطنجة، ليس فقط كمستثمر يسعى إلى عائد مالي، بل كفاعل سيادي لعب دور صمام أمان في لحظة ارتباك عالمي.

المفاوضات بين المجموعة الفرنسية والسلطات المغربية جرت مباشرة بعد أزمة 2008، حين كان ولوج التمويل صعبًا حتى بالنسبة لكبرى الشركات الصناعية. دخول الصندوق المغربي إلى الرأسمال بعث رسالة ثقة واضحة للأسواق، وقلّص منسوب المخاطر المحيطة بالمشروع، كما خفّف العبء التمويلي في مرحلة كانت فيها كلفة الاقتراض مرتفعة ومعايير الإقراض أكثر تشددًا. بذلك لم يكن حضور المؤسسة العمومية مجرد مساهمة مالية، بل عنصر طمأنة استراتيجي سهّل إطلاق برنامج صناعي طموح في منطقة طنجة.

المدافعون عن هذا الخيار يحرصون على وضعه في إطاره الزمني الصحيح. فالشراكة لم تُبنَ على أساس ملكية دائمة، بل تضمنت منذ البداية بندًا تعاقديًا واضحًا يسمح لـ«رونو» بإعادة شراء حصة الصندوق عند تحسن الأوضاع المالية الدولية. أي أن التخارج لم يكن قرارًا ارتجاليًا أو تراجعًا مفاجئًا، بل جزءًا من هندسة المشروع منذ انطلاقه. وعندما استعادت المجموعة عافيتها المالية، تم تفعيل الاتفاق وفق ما كان مبرمجًا.

وخلال سنوات الشراكة، لم يقتصر الأثر على إقامة مصنع تجميع فحسب، بل امتد إلى بناء منظومة صناعية متكاملة. فقد جلبت «رونو» شبكة واسعة من الموردين الذين استثمروا بدورهم في المغرب، ما ساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، ورفع نسبة الإدماج الصناعي المحلي، وتحويل قطاع السيارات إلى رافعة تصديرية أساسية للاقتصاد الوطني. وهكذا انتقل المشروع من كونه استثمارًا صناعيًا منفردًا إلى نواة منظومة إنتاجية متكاملة ذات بعد دولي.

من هذا المنظور، يرى أنصار القرار أن صندوق الإيداع والتدبير أدى دوره التحفيزي كاملًا: تدخل في لحظة هشاشة عالمية، ثبّت مشروعًا استراتيجيًا، ثم انسحب وفق اتفاق مسبق، تاركًا وراءه صناعة قائمة ومستمرة. الدولة، وفق هذا التصور، لم تتقمص دور المالك الدائم، بل لعبت دور “المُيسّر” الذي يفتح الباب أمام الاستثمار ثم يفسح المجال للفاعلين الصناعيين لتولي القيادة.

غير أن تقييم التجربة يتجاوز ثنائية الدفاع والانتقاد. فالسؤال الأعمق يظل مطروحًا: هل ينبغي أن يقتصر دور المؤسسات السيادية على تقاسم المخاطر في البدايات فقط؟ أم أن بعض القطاعات الاستراتيجية تستدعي حضورًا طويل الأمد لضمان نفوذ أكبر وعائدات مستدامة للدولة؟

المؤكد أن «رونو» جاءت إلى المغرب، واستمرت، ووسعت منظومتها الصناعية. كما أن تدخل الصندوق كان عنصرًا حاسمًا في مرحلة دقيقة من تاريخ الاقتصاد العالمي. وبين منطق التحفيز المرحلي ومنطق الشراكة الدائمة، تظل تجربة طنجة درسًا عمليًا في كيفية إدارة الدولة لاستثماراتها الاستراتيجية في زمن الأزمات، حيث لا يُقاس النجاح فقط بحجم المساهمة، بل بتوقيت الدخول وحكمة الخروج.

التعليقات مغلقة.