أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المغرب يتحول إلى وجهة عمل للمهاجرين وسط أزمة اليد العاملة الزراعية

جريدة أصوات

تتقاطع مسارات الهجرة مع تحولات اقتصادية وديموغرافية تعيد تشكيل علاقة البلاد بالعمل والهجرة. شاحنات صغيرة تجوب سهول اشتوكة آيت باها في جهة سوس-ماسة، ناقلة عمالاً مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء بين الحقول الممتدة من البيوت البلاستيكية، حيث تُنتج الفواكه والخضروات الموجهة للأسواق الأوروبية والإفريقية.

هؤلاء العمال، ومعظمهم من دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية، لم يكن المغرب بالنسبة إليهم وجهة نهائية في البداية، بل محطة مؤقتة في طريق كان يفترض أن يقودهم إلى أوروبا. غير أن تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية، إلى جانب توفر فرص عمل في القطاع الزراعي المغربي، دفع كثيرين منهم إلى إعادة النظر في خططهم، والاستقرار مؤقتاً أو طويل الأمد داخل البلاد.

في سهول اشتوكة، التي تبعد نحو 50 كيلومتراً جنوب أكادير، تمتد الزراعة المحمية على أكثر من 24 ألف هكتار، وتشكل ركيزة أساسية لصادرات المغرب من الفواكه والخضروات، إذ توفر أكثر من أربعة أخماس هذه الصادرات. وقد سجل القطاع الزراعي نمواً في الصادرات بنسبة 3.6% لتصل إلى نحو 4.5 مليار دولار خلال العام الماضي.

لكن هذا النجاح الاقتصادي يواجه تحدياً متزايداً: نقص حاد في اليد العاملة المحلية بعد سنوات من الجفاف وتغيرات اقتصادية واجتماعية، شهدت القرى المغربية نزوحاً واسعاً نحو المدن، حيث تجذب قطاعات البناء والخدمات الشباب الباحثين عن فرص أفضل. ووفق معطيات مهنية، فقد القطاع الزراعي نحو 1.7 مليون وظيفة منذ سنة 2000، نتيجة تراجع الفلاحة المعيشية.

اليوم، لا يتجاوز العاملون في الزراعة ربع القوة العاملة في المغرب، بعدما كانوا يشكلون حوالي نصف السكان قبل عقدين. ومع هذا التحول، ارتفعت كلفة اليد العاملة، حيث يطالب العديد من العمال المغاربة بأجور أعلى أو يفضلون نظام “العمل بالقطعة”، الذي قد يصل فيه الأجر إلى 500 درهم يومياً، وهو ما يفوق بكثير أجور العمال المهاجرين.

هذا الفارق دفع العديد من الضيعات الزراعية إلى الاعتماد بشكل متزايد على العمالة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، خصوصاً في المحاصيل التي تتطلب كثافة في العمل مثل الطماطم والفراولة والتوت.

يقول مهاجرون يعملون في الضيعات إن العمل في المغرب يمثل بديلاً عملياً عن التشرد أو البقاء دون دخل. أحدهم، وهو شاب من توغو يبلغ 23 عاماً، يوضح أنه حاول في البداية الوصول إلى أوروبا عبر شمال المغرب، قبل أن ينتهي به المطاف في العمل الزراعي، مضيفاً: “العمل أفضل من التسول في الشوارع”.

ورغم ذلك، لا تزال أوروبا حاضرة في مخيلة بعضهم كهدف مؤجل، حيث يعملون على توفير المال لتحسين ظروفهم أو مواصلة الرحلة لاحقاً.

في المقابل، بدأ جزء آخر من العمال المهاجرين في الاستقرار فعلياً داخل المغرب، وتكوين أسر، وإدماج أبنائهم في المدارس، حيث يتعلم بعض الأطفال لغات محلية مثل الدارجة والأمازيغية.

تشير معطيات ميدانية إلى أن بعض المناطق الزراعية، مثل آيت عميرة، شهدت تضاعفاً كبيراً في عدد السكان خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليصل إلى أكثر من 113 ألف نسمة، مدفوعاً أساساً بتوافد العمال المهاجرين.

ويرى مهنيون في القطاع أن المغرب يواجه نقصاً “هيكلياً” في اليد العاملة الزراعية، في ظل استمرار الهجرة الداخلية وتراجع معدل الخصوبة إلى نحو 1.9 طفل لكل امرأة، وهو ما يقل عن مستوى التعويض الديموغرافي.

كما يُتوقع أن تؤدي الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية، استعداداً لكأس العالم 2030، إلى جذب مزيد من العمال نحو المدن، مما قد يزيد من حدة الضغط على القطاع الفلاحي.

ورغم أن عدداً من المهاجرين حصلوا على تسوية قانونية خلال السنوات الماضية، فإن أغلبهم لا يزال يعمل في إطار غير رسمي. ويطالب فاعلون في القطاع بتبسيط الإجراءات الإدارية لتسهيل إدماجهم في سوق العمل بشكل قانوني، بما يضمن استقرار الإنتاج الزراعي.

في ظل هذه التحولات، يبدو أن المغرب لم يعد مجرد نقطة عبور في مسارات الهجرة نحو أوروبا، بل أصبح فضاءً للعمل والاستقرار المؤقت أو الدائم، في وقت تتقاطع فيه الحاجة الاقتصادية مع تعقيدات الهجرة والتحولات الديموغرافية العميقة.

التعليقات مغلقة.