أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

انفجار علني داخل بيت الأغلبية الحكومية

جريدة أصوات

فجّر حزب الاستقلال قنبلة موجهة إلى حلفائه في الأغلبية الحكومية، متهمًا إياها بممارسات تمس نزاهة الحياة السياسية وتعكس محاولات “لشراء الذمم” والتحكم في المشهد الانتخابي بالمال. هذا الخروج العلني يمثل نقطة مفصلية في مسار التحالف الحكومي، ويفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية حول مستقبل العمل السياسي المشترك.

قرر حزب الاستقلال خلع عباءة الصمت التي ظل يرتديها لشهور طويلة، وإلقاء قنبلته الموجهة مباشرة إلى حلفائه داخل الأغلبية الحكومية، المتمثلين في التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة. وجاءت هذه التصعيدات خلال جلسة مناقشة مشروع قانون مالية 2026، حيث قدّم علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي، خطابًا صادمًا اخترق جدار الصمت السياسي الذي طالما احتفظ به التحالف.

في هذا الصدد، كانت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال قد حذرت سابقًا في بلاغ لها من خطورة ما أسمته “تحالف المال والسياسة في البرلمان”، معتبرة أنه ينتج عن “ممارسة الضغط لتمرير تعديلات على القوانين لخدمة المصالح الخاصة لبعض الشركات بعينها وتعزيز هيمنتها واحتكارها للسوق”. هذا التشخيص الذي جاء في سياق التحضير للاستحقاقات الانتخابية، يمهد لفهم الخلفية التي ينطلق منها الهجوم الاستقلالي الأخير.

وجّه العمراوي نيران انتقاده نحو ممارسات قال إنها “تُفرغ الديمقراطية من مضمونها”، محذرًا من “استعمال المال بطرق لا تشرف العملية الانتخابية”، في إشارة واضحة لم تتطلب الكثير من التفسير لفهم وجهتها المقصودة.

لم يكتفِ العمراوي بهذه التلميحات، بل صرح بأن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد محطة عادية، بل لحظة حاسمة لإغلاق الباب أمام “المفسدين” الذين يحاولون استغلال الأزمات لتضخيم نفوذهم السياسي والمالي. واعتبر أن أزمة الثقة المتفاقمة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة أفعال “من يعتقدون أن السياسة سوق مفتوحة تُباع فيها الذمم وتُشترى المواقع”.

لم يقتصر رد فعل الاستقلال على التنديد والاتهام، بل تخطاه إلى تقديم مقترحات ملموسة للخروج من الأزمة، حيث دعا الفريق الاستقلالي إلى تبني ميثاق أخلاقي قبل الانتخابات، في خطوة iها المراقبون كمحاولة لوضع حلفائه في زاوية ضيقة: إما الالتزام بهذا الميثاق، أو تحمل مسؤولية “إفساد المشهد”.

وفي ما يشبه الرسالة المبطنة إلى قادة مكوني التحالف، قال العمراوي إن البلاد لم تعد تحتمل “سياسة النعامة”، وإن تجاهل التحولات الاجتماعية قد يقود إلى “نتائج لا يريد أحد الوصول إليها”. هذا الموقف يأتي في سياق تفاعل الأغلبية الحكومية مع احتجاجات “جيل Z” التي هزّت المشهد السياسي مؤخرًا، حيث عقدت رئاسة الأغلبية اجتماعًا برئاسة عزيز أخنوش، وبحضور ممثلي الأحزاب الثلاثة، أكدت فيه على “حسن إنصاتها وتفهمها للمطالب الاجتماعية واستعدادها للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها”.

رغم الإشادة بما حمله مشروع قانون مالية 2026 من إجراءات اقتصادية واجتماعية، شدد الاستقلال على أن أي إصلاح اقتصادي بلا إصلاح سياسي هو مجرد ترميم فوق سطح متشقق. هذا الموقف ينسجم مع ما أكدته الأغلبية الحكومية في اجتماعها الأخير من “انخراطها في بلورة التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش الأخير، بداية من قانون المالية 2026، خاصة ما يتعلق بالتأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية”.

هذا التصعيد العلني أعاد خلط الأوراق داخل الأغلبية، وطرح سؤالاً كبيرًا: هل نحن أمام أول شرارة لانفجار سياسي قبل الانتخابات؟ أم مجرد رسالة ضغط لإعادة اقتسام النفوذ؟

واقع الحال يشير إلى أن التحالف الحكومي لم يعد بتلك الصلابة التي ظهر بها في البداية، وأن الاتهامات المرتبطة بالمال والذمم قد تكون بداية فصل جديد من الصراع المكتوم بين مكوناته. فالحكومة تواجه حاليًا تحديات جسامًا، منها “التراكمات والإشكالات التي تعرفها المنظومة الصحية منذ عقود”، كما أن “طموح الإصلاح الصادر عن التعبيرات الشبابية يلتقي مع الأولويات التي تشتغل عليها الحكومة”.

ما هو واضح الآن أن بيت الأغلبية الحكومية يشهد أزمة ثقة غير مسبوقة، وأن الاتهامات التي أطلقها حزب الاستقلام تشكل نقطة تحول في المسار السياسي للتحالف الحاكم. السؤال الذي يظل معلقًا: هل ستكون هذه التصعيدات بداية انفجار كبير يغير الخريطة السياسية، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية في لعبة السياسة؟

وحدها الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال المصيري، لكن المؤكد أن المشهد السياسي دخل مرحلة جديدة من المواجهات العلنية التي قد تعيد رسم التحالفات وتوزيع الأوراق في المشهد السياسي المغربي برمته.

التعليقات مغلقة.