حزب الاستقلال بين صافرات الانتخابات وصرخات الشباب
جريدة أصوات
تعود الأحزاب التي تختفي لسنوات عن الساحة العامة إلى الواجهة، حاملةً خطاباً شبابياً ووعوداً تلمع كالفقاعات، قبل أن تنفجر بعد انتهاء الموسم الانتخابي. وفي هذه الدورة، يبدو أن حزب الاستقلال المغربي يقدم نموذجاً صارخاً لهذه الآلية، محاولاً اقتناص لحظة احتجاج “جيل زد” لتحسين وضعه الانتخابي، وفقاً لقراءات سياسية.
بعد أشهر من الصمت والجمود، برز حزب الاستقلال فجأةً كمناصر لمطالب الشباب المحتجين، مبدياً تعاطفاً مع قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية. لكن المتتبعين يرون في هذه الخطوة مناورة انتخابية أكثر منها انحيازاً حقيقياً لشعارات التغيير. فالحزب، الذي يشارك في الحكومة، لم يبادر إلى معالجة هذه الملفات عبر الآليات الحكومية المتاحة له، بل فضّل الظهور بمظهر المعارض لحكومته هو جزء منها، في سيناريو يفتقر – حسب نقاد – للأخلاق السياسية.
في محاولة لخطف قلوب وعقول الناخبين الشباب، كشفت مصادر سياسية أن حزب الاستقلال يعتمد خطة محبوكة تقدم فيها “وجوهاً جديدة” من صلب العائلات التقليدية التي تهيمن على الحزب منذ عقود. وعلى رأس هذه الوجوه، يبرز عبد المجيد الفاسي، الذي تم تمكينه سابقاً في منصب برلماني، ويُعد الآن ليكون الوجه الشبابي الجديد للحزب.
هذه الخطوة تكشف تناقضاً صارخاً: فبدلاً من استقطاب كفاءات شابة حقيقية من المناضلين في الأحياء الشعبية والمدن المهمشة، يعود الحزب إلى “آل الفاسي” وأبناء القيادات التقليدية، ممن تم “تبليصهم” – وفق التعبير الدارج – في مناصب رسمية مسبقاً. وهو ما يتعارض مع جوهر مطلب الشباب القاضي بقيادات جديدة تنتمي إليهم وتفهم تحديات عصرهم.
القراءة المتعمقة للمشهد داخل حزب “الميزان” تشير إلى أن هذه الخطوة ليست فقط موجهة للخارج، بل هي جزء من معركة نفوذ داخلية. فالمصادر تؤكد أن الأمين العام للحزب، نزار بركة، يسعى إلى إحياء وتقوية نفوذ عائلة الفاسي المؤسسة للحزب، بعد تراجع دورها لصالح تيار آخر يمثله أبناء الصحراء وأعيانها، الذين بسطوا نفوذاً ملحوظاً داخل هياكل الحزب.
لذلك، يتم إشراك شباب العائلة في الأنشطة الحزبية، وتقديمهم كمدافعين عن قضايا المواطنين، في محاولة لترسيخ وجودهم في الوعي العام، والرهان على جاذبيتهم الاسمية في الانتخابات المقبلة. انتقادات حادة في الصالونات السياسية أثارتها هذه التحركات، واصفة إياها بمحاولة تحويل احتجاجات الشباب إلى آلية لإعادة ترتيب البيت الاستقلالي من الداخل، باستخدام وجوه شابة يتم توظيفها بشكل انتهازي.
الصورة التي يقدمها حزب الاستقلال اليوم تذكرنا بـ “سياسة الأبراج العاجية”، حيث تطل القيادات التقليدية بتعالٍ على هموم المجتمع، ثم تنزل إلى الشارع فقط عندما يحين موعد الاقتراع. إنها نفس الفلسفة التي تمكن العائلات ذات النفوذ من التحكم في دفة الحزب عبر تغيير الأجيال، مع الحفاظ على هيمنتها.
في الوقت الذي يتطلع فيه الشباب إلى قيادات تشاركهم همومها وتناضل من أجل أولوياتهم الاجتماعية، يبدو أن حزب الاستقلال يفضل المراهنة على “الدماء الزرقاء” بدلاً من الكفاءات الشعبية. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستنطلي هذه المناورة على جيل زد، الذي يرفض الوجوه المصنوعة في “مختبرات” الأحزاب التقليدية، أم أن وعي هذا الجيل سيكون الحاجز الذي تتحطم عليه كل حسابات الورق المقوى الانتخابي؟

التعليقات مغلقة.