شهد الودائع البنكية في المغرب ارتفاعاً مطرداً، متحدية بذلك المنطق الاقتصادي التقليدي القائم على علاقة العائد بالمخاطرة، حيث يأتي هذا النمو في وقت تشهد فيه أسعار الفائدة على هذه الودائع تراجعاً ملحوظاً.
عادة ما تدفع البنوك عملاءها إلى الإيداع لديها من خلال تقديم أسعار فائدة جذابة. لكن المشهد الحالي في المغرب يحكي قصة مختلفة. فبينما تستمر البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، بما فيها بنك المغرب، في سياسات نقدية تتسم بأسعار فائدة منخفضة أو في طريقها للانخفاض لمحاربة الركود وتحفيز الإقراض، نجد أن المدخرات الخاصة للمواطنين في البنوك المحلية لا تزال في مسار تصاعدي.هذه المفارقة تطرح سؤالاً محورياً: لماذا يصر المغاربة على إيداع أموالهم في البنوك مع عوائد ضئيلة، بل ومتناقصة؟
يشير محللون اقتصاديون إلى أن الدافع وراء هذه الظاهرة لا يرتبط بالربح في المدى القصير، بل بدوافع نفسية وسلوكية أعمق. يأتي في مقدمتها “تفضيل السيولة” و “الاحتياطي الوقائي”.
ففي ظل حالة عدم اليقين التي خلفتها جائحة كورونا، وتقلبات الاقتصاد العالمي،以及مخاطر الجفاف على الاقتصاد الوطني، أصبح الأفراد والشركات أكثر حرصاً على تكوين احتياطيات نقدية آمنة وسائلة لمواجهة أي طوارئ محتملة. فالبنك، في نظر الكثيرين، يظل الملاذ الآمن للأموال مقارنة بالاستثمار في أسواق متقلبة أو مشاريع قد تبدو محفوفة بالمخاطر في الوقت الراهن.
تراجع بدائل الاستثمار
من ناحية أخرى، يفسر بعض الخبراء هذا الارتفاع بتراجع جاذبية البدائل الاستثمارية الأخرى. فأسواق المال تشهد تقلبات حادة، كما أن قطاعات عقارية وتجارية معينة تمر بمرحلة ركود، مما يجعل الادخار البنكي، رغم انخفاض عائده، خياراً “أقل سوءاً” بالنسبة لفئة عريضة من صغار المدخرين الذين يفتقرون إلى الخبرة الكافية أو الرغبة في المخاطرة.
لهذه الظاهرة انعكاسات متباينة على الاقتصاد الكلي. من ناحية، يُعد هذا الارتفاع في الودائع مصدراً قوياً للسيولة لدى البنوك، مما يعزز قدرتها على الإقراض وتمويل النشاط الاقتصادي. كما أنه يعكس ارتفاع مستوى المدخرات الوطنية، وهو مؤشر إيجابي من حيث المبدأ.
لكن الجانب السلبي المحتمل يكمن في “فخ السيولة”. فإذا استمرت هذه الأموال حبيسة حسابات الودائع دون تحويلها إلى قروض استهلاكية أو استثمارية فعالة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تباطؤ في دورة النشاط الاقتصادي. بمعنى آخر، تحتفظ البنوك بأموال لا تستثمر بشكل كاف في الاقتصاد الحقيقي، مما قد يحد من نمو الشركات وخلق فرص العمل.
يتساءل مراقبون عن مدى استمرارية هذا النمط. يُعتقد أن استئناف الثقة الكاملة لدى المستهلكين والمستثمرين، مع ظهور فرص استثمارية أكثر وضوحاً وجاذبية، قد يعيد توجيه جزء من هذه السيولة نحو قنوات استثمارية أخرى، كالأسهم أو الصناديق أو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما سيعيد تدريجياً العلاقة بين أسعار الفائدة وحجم الودائع إلى مسارها التقليدي.

التعليقات مغلقة.