ما زال زواج القاصر يحتل حيزاً مهماً في النقاش الاجتماعي والقانوني في المغرب، حيث كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2024 عن معطيات تُظهر استمرار هذه الظاهرة رغم تراجعها النسبي، مع تركّزها بشكل لافت في العالم القروي.
1. هيمنة الوسط القروي: الفجوة الحضرية – القروية
تُظهر الأرقام أن زواج القاصر هو ظاهرة قروية بامتياز، حيث شكلت الطلبات القادمة من الوسط القروي 78.13% من إجمالي الطلبات، أي 13,091 طلباً من أصل 16,755 طلباً. كما أن نسبة القبول في القرى بلغت 65.79% مقارنة بـ 52.87% في المدن، مما يُظهر تمايزاً واضحاً في انتشار الظاهرة وعوامل قبولها بين المجالين.
2. تراجع عام في الطلبات مع ارتفاع طلبي للذكور
سجل عام 2024 تراجعاً في عدد طلبات زواج القاصر بمقدار 3,437 طلباً مقارنة بعام 2023، بنسبة انخفاض بلغت 17.02%. واللافت أن هذا التراجع كان حاداً في طلبات زواج الإناث القاصرات (بنسبة 17.50%)، بينما ارتفعت طلبات زواج الذكور القاصرين بشكل ملحوظ بنسبة 33.68%، وإن كانت أعدادها تبقى محدودة (254 طلباً).
3. القاصر غير المتمدرس: النموذج السائد
أكد التقرير أن الغالبية العظمى من طالبي الزواج دون سن الأهلية (92.53%) هم من غير المتمدرسين، كما أن أكثر من 96% منهم لا يمارسون أي نشاط مهني. هذه المعطيات تُشير إلى ارتباط الظاهرة بغياب التعليم وضعف الفرص الاقتصادية.
4. توزيع جغرافي متفاوت ونسب قبول متباينة
تتصدر دائرة مراكش القضائية قائمة الطلبات بـ 2,941 طلباً، تليها فاس بـ 2,394 طلباً. أما من حيث نسب القبول، فتصدرت الرشيدية القائمة بنسبة قبول بلغت 81.01%، مما يفتح الباب لتساؤلات حول اختلاف التطبيق القضائي من منطقة إلى أخرى.
5. الفئة العمرية 17+ هي الأكثر طلباً وقبولاً
تظهر البيانات أن الفئة العمرية التي تجاوزت 17 سنة هي الأكثر طلباً للزواج (65.56% من إجمالي الطلبات)، كما أنها الأكثر حظاً في القبول (70.55%). بينما تشهد الفئات الأصغر سناً نسب قبول متدنية، حيث لم يُقبل سوى طلب واحد من أصل 59 طلباً للفئة الأقل من 15 سنة.
رغم التراجع الملحوظ في ظاهرة زواج القاصر، تبقى هذه المعطيات جرس إنذار حول ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة، خاصة في الوسط القروي. فالارتباط الوثيق بين انتشار الزواج المبكر وانقطاع التعليم والفقر يفرض مقاربة شاملة تدمج بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، لضمان حماية الطفولة وتمكين الشباب، وبالتالي المساهمة في الحد من هذه الظاهرة بشكل مستدام.

التعليقات مغلقة.